﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 خطبة عيد الفطر 

القسم : محاضرات رمضانية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 28   ||   القرّاء : 6083

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تحصل الدرجات، وبكرمه تبدل الخطيئات, والحمد لله على تمام الشهر وكمال الفضل. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى وصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وزوجه الصديقة فاطمة سيدة نساء العالمين، وعلى سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعلى أئمة المسلمين علي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، والخلف الحجة المهدي، حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك. صلاة لا غاية لأمدها، ولا نهاية لمددها، ولا انقضاء لعددها. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

قال الجليل سبحانه: >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ< آل عمران، 102. 

في كل عام نستقبل شهر الرحمة بشوق، فنستعد للقائه، ونحضّر أنفسنا ومساجدنا وبيوتنا وموائدنا لتليقَ بشهر الله. فتمضي علينا أيامٌ وليالٍ لا شبيه لها ولا نظير، وكيف يكون لها شبيه وفيه ليلة خير من ألف شهر؟!

إنه شهر رمضان أيها الأحبة! قد مضى وانقضى، تاركا بصمات الخير على قلوبنا التي طهرناها بحسن الخُلُق والصبر على الخلْق، وعلى نفوسنا التي زكيناها وجاهدناها بالصيام، وعلى أرواحنا التي أصقلناها بالعبادة والقيام.

مضى أحب الشهور، ليختتم بعيد، أحب الله أن يجمعنا فيه هنا في بيته ليعطي من صام وقام العيدية، فكما ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام): "إن الله (عز وجل) جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى رضوانه، فسبق فيه قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخيب فيه المقصرون، وأيم الله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته".

عيد الفطر، يوم بشر اللهُ الصائمَ فيه بالفرح على لسان حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه". في يوم الفرح هذا نتجمل بأحلى الثياب، ونتعطر بأزكى الروائح، ونظهر بأبهى صورة. ثم نقف وجها لوجه أمام مرآة تعكس مظهرنا، فنتلفت يمينا وشمالا لندقق بتفاصيل طلتنا، فإن كان في الثوب ثنيةٌ عدلناها، أو فَتقةٌ رتقناها، أو غبرةٌ نفضناها. فسبحان الله العظيم! ما أحرصنا على أثوابنا!

في هذه اللحظة التي يتراءى فيه جمال زِيِّنا ورِيِّنا، يهمس صوتٌ خافت في داخلنا قائلا: هلا تجملون أرواحكم كما تجملون أثوابكم؟ فيا كرام! لا حلاوة للعيد حينما نجمِّل الألباس، ونزيِّف الأرواح! فهيا نجمل أرواحنا أيها المؤمنون! هيا بنا نفشي السلام على من نعرف ومن لا نعرف. هيا بنا نمسح ما علق في القلوب من حسد أو غل أو غيظ! هيا بنا نزرع البسمة على الكبير والصغير، والمريض واليتيم، والفقير والمسكين، والمعوَّق والمسجون!

تعالوا نهجر العبوس، لنبدله ببسمة تعلو محيانا، فنزيل الكآبة عن قلوبنا، ونبثها بين أهلينا ومجتمعاتنا. ولنغتنمِ العيد فرصة نجتمع فيها على المحبة الخالصة التي لا يشوبها تملق ولا نفاق ولا زيف، فنصلُ من قطعنا، ونعفو عمّن ظلمنا، ونعطي من حرمنا! ونبذلُ نـَدانا –أي خيرنا-، ونكفُ أذانا، فإن هذه أخلاقَ نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم اعلموا أن حكمة تحريم الصيام في هذا اليوم العظيم، هي أن الله يحب أن نتزاور فيه، ونتناول الطيبات من الرزق الحلال، فنـُدخل بذلك السرور على أسرنا، وأقاربنا.

ثم أوصيكم وأوصي نفسيَ قبلكم، أن لا تضيعوا الملكات التي اكتسبتموها في هذا الشهر الفضيل، فلقد رسم شهر رمضان لكثير من النفوس وشم الإقبال على العبادة الذي أوصلها إلى صفاء في الروح، ولذة في المناجاة، وصدقاً في التوجه، وأودع في نفوس الكثيرين درساً عظيماً مفاده: أن الإنسان مهما أحاطته المعصية، وأركسته –أي قلبت أوله على آخره- في حمئها-أي طينها الأسود-، ومنعته عن التحليق في سماء رضا الله سبحانه، إلا أنه قادر بإذن الله تعالى على تجاوز هذا المنعطف في حياته متى ما يقرر أن يكون بين يدي الحق سبحانه، كما هي حاله في شهر رمضان.

فمن اعتاد على قيام الليل في شهر رمضان، لا ينبغي له أن يترك القيام بعده، فإن شرف المؤمن قيامه في الليل. وأضعف الإيمان أن لا نتهاون في تأدية صلاة الفجر، فإنه وقت مقدس تقسم فيه الأرزاق، وتصعد فيه ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار.

من كان يهجر القرآن في غير شهر رمضان، لا يعود لهجر كتاب الله من جديد، فكما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عز وجل فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويضئ لأهل السماء كما يضئ الكوكب الدري لأهل الأرض، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله فيه تقل بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين".

وعليكم بالإبقاء على الدعاء، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "أحب الأعمال إلى الله في الأرض الدعاء"، و"من استأذن على الله سبحانه أذن له"، و"من قرع باب الله سبحانه فـُتح له".

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اجمع شملنا، ولمَّ شعثنا، وألِّف بين قلوبنا. اللهم عجِّل لوليك الفرج، واجعلنا من جنده وأعوانه ومقوي سلطانه، إنك قريب سميع مجيب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 الرائي السبّوح

 وطن الزوج

 زينة النساء والتشبه بهن

 إذن الولي

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 الحُب والبُغْض بين النبي والآل

 زيارة الإمام علي بن محمد الهادي النقي (عليهما السلام)

 الإمام الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام)

 النذر المعين والمشروط

 للمغرب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net