﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 عالم الآخرة 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 5642

       بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تاهت العقولُ في كبرياء هيبته، وتلألأت في ظلم الليالي أنوارُ هدايته، واستبانت على صفحات الأيام آثارُ سلطته. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأئمة، الخاتمين لما سبق، والفاتحين لما انغلق، والمعلنين للحق بالحق. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

       عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله الذي >يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ< الأنفال، 24. 

       ها قد وصلنا إلى آخر عوالم الإنسان، بعد عالم الذر، وعالم الطين، وعالمي الأصلاب والأرحام، وعالم الدنيا بمراحلها الثلاث، الطفولة، والشباب، والشيخوخة، وعالم البرزخ، لنصل إلى عالم الآخرة؛ حيث تعود الأرواح إلى الأجسام بعد تفرّقها.

       ولعالم الآخرة أسماء كثيرة وردت في القرآن الكريم: المعاد (وهو زمان العود حيث يعود الناس إلى ربهم)، يوم القيامة (حيث يقوم الناس لرب العالمين)، يوم البعث (حيث يبعثون من قبورهم)، يوم الحشر (حيث يحشرون في صحراء القيامة)، يوم التلاق (حيث تلتقي الخلائق)، يوم التناد (حيث ينادي أهلُ النار أهلَ الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)، يوم الآزفة (وهي الساعة التي دنت واقتربت)، يوم التغابن (أي يوم غلبة المؤمنين على الكافرين)، يوم الفصل (حيث يفصل بين الحق والباطل)، الطامة الكبرى (أي المصيبة العظمى التي تطم أي تعلو على سائر المصائب)، يوم الدين (أي الجزاء)، الواقعة (لتحقق وقوعها)، الحاقة (لأن وقوعها حق)، القارعة (لأنها تقرع القلوب بالخوف)، الراجفة (لأنها يوم ترجف الأرض والجبال)، يوم النشور (أي إحياء الموتى بصيحة إسرافيل الثانية)...

       يعتبر المعاد الجسماني أصلا من أصول الدين عند كافة المسلمين، بل عند كافة الأديان، والدليل عليه من وجوه: أولها: إجماع المسلمين، وثانيها: الآيات؛ كقوله تعالى: >وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ< يس، 51. وقوله: >وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ< الأنعام، 38. وثالثها: إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوقوعه، بل كل أنبياء الله وحججه.

       ورابعها: وهو دليل عقلي مفاده: إن الحق سبحانه كلّف الناس بما فيه مشقة بدنية؛ كالصلاة والصيام والحج والجهاد، ومشقة مالية؛ كالخمس والزكاة... وتكليف المشقة من غير عوض ظلم، إذًا لا بد من التعويض على الناس بمقتضى عدالة الحق سبحانه. ولما لم يكن التعويض حاصلا في دار الدنيا، كان لا بد من دار يحصل فيها التعويض عن تلك المشقات. وفضلا عن المشقات التي سببها التكليف، نجد أن الإنسان يتعرض لآلام ومظلوميات، فالآلام منها ما هو جسدي كالأمراض، ومنها ما هو نفسي كفقدان الأحبة، والمظلوميات كالتي تصيبه من الناس من قتل وغيره. أما الآلام فيجب عليه سبحانه أن يعوض الإنسان عنها، وأما المظلوميات، فيجب عليه سبحانه أن ينتصف له من الظالم، وهذا غالبا لم لا يمكن تعويضه في الدنيا، كالذي يقتل عائلة ويترك منها فردا، كيف يمكن التعويض على هذا الفرد الباقي في الدنيا؟

       ولا نعني بوجوب ذلك على الله تعالى أننا نلزمه به، وإنما عنينا أنه سبحانه أوجب على نفسه ذلك؛ قال تعالى: >قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ< الأنعام، 12.

       يوم القيامة، هو اليوم الأعظم والأشد هولا، هو يوم الفزع الأكبر، الذي قال فيه تعالى: >يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ< الحج، 2. هذه المعاني كناية عن هول القيامة؛ حيث لا مرضع ولا حامل، وإنما لو كانت هناك مرضعة لذهلت عن رضيعها، أي نسيته، ولو كانت هناك حامل لأسقطت حملها، ثم إن الناس يتلوون من شدة الاضطراب كحال السُكارى . نجد في هذه الآية كيف أن الله سبحانه اختار أكثر صورة إنسانية بين مخلوقين تمثل غاية التعلق، وهي صورة تعلّق الولد بثدي أمه، ففي هذه الحال يكون الطفل والأم على حد سواء في ذروة الرحمة والعاطفة الإنسانية، إلا أنه رغم ذلك، تذهل الأم عن طفلها وتنشغل بهول القيامة. وقال تعالى: >يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)< عبس. يعني تتقطع في هذا اليوم كل الروابط والعلاقات، حتى لا يفكر المرء إلا بنفسه.

       ويكون المعاد على مراحل ثلاث: أولا: يأمر الله (عز وجل) إسرافيل (عليه السلام) أن ينفخ في الصور، فتموت الخلائق من الإنس والجن والملائكة، عدا إسرافيل، ويفنى النظام الكوني؛ حيث تنتثر النجوم، وتحترق البحار، وتتفتت الجبال. ثم يميت الله إسرافيل، وينادي تعالى: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول تعالى: الملك لله الواحد القهار. وهو مفاد الآية المباركة: >يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)<غافر.    

       ثم يحيي الله إسرافيل أولا، ويأمره بالنفخة الثانية؛ وهي التي تعيد الحياة إلى كل من مات من الخلائق، فيجتمعون في صحراء المحشر، وتبدأ المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الحساب.

          يحشر الناس عراة، ترتعد فرائصهم، وتصطك أسنانهم، وتقرع قلوبهم، >يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا< طه، 108.  قيل: داعي الله هو إسرافيل، يدعوهم لساحة المحشر، لا عوج له فلا يعدل عن دعوته أحد، بل تخشع الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسا، وهذا الهمس يزيد الخوف، والاضطراب.

       ويبدأ الحساب، >وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ< الأنبياء، 47. الميزان هو العدل الإلهي المطلق، الذي لا يضيع عنده عمل عامل وإن كان قدر ذرة، سواء من جانب الخير كابتسامة في وجه أخيه المؤمن، أو عبوس يريد به إرعابه وتخويفه. >فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(8)< الزلزلة.

       ثم تُسلَّم صحائف الأعمال بيمين المؤمنين وشمال الكافرين، فيتعجب الإنسان من دقتها >وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا< الكهف، 49. يعرف الإنسان عاقبته، فتبيض وجوه المؤمنين، وتسود وجوه الكافرين >وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) <عبس. 

                   ثم يؤمر الناس جميعا بسلوك الصراط، والصِّراط: "لغة الطّريق، وهو جسر منصوب فوق جهنّم، غير معروف من أيّ شيء هو، فيه عقبات سبع: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وردّ الأمانة وصلة الرّحم- الصّلاة- الخمس والزّكاة- الصّيام- الحجّ- الطّهارة- المظالم. والعقبة الأخيرة هي المعروفة (المرصاد). ولا بدّ للجميع من العبور عليه؛ حيث تختلف حالهم باختلاف أعمالهم؛ فمنهم من يعْبره كالبرق، ومنهم يمرّ عليه كراكب الخيل، ومنهم من يتخبّط عليه ويسقط ويقوم كما كان يفعل في الدّنيا بطريق الشّرع" . >وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ(74)< المؤمنون.  نكب: عدل ومال.

                   ثم تأتي المرحلة الأخيرة من هذا اليوم العظيم، >وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)< الزمر.

       أسأل الله الرحمن الرحيم، أن يجعلنا وإياكم من أصحاب اليمين، الذين يقال لهم: >سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ< الزمر، 73.

       أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 الأضحية المستحبة والعقيقة

 شوال

 الشعور بالحب فطريته وشرعيته

 زيارة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) المعروفة بزيارة أمين الله

 زيارة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) يوم الثلاثاء

 العدل 1

 صيد السلاح

 الحقّ الوكيل

 للإظهار

 الزواج الدائم والمؤقت من الكتابية والكافرة

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net