﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الزواج والحاجة الجنسية 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 5260

       بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تحيرت في أشعة جماله أوهام المتوهمين، وتقاصرت عن إدراكه كنه كماله أفكار المتفكرين، واضمحلت في لوامع ضيائه وبهائه عقول الكاملين، وتزعزت لجمال أحديته وكمال صمديته قلوب العارفين. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأئمة، السادة المعصومين، والدعاة إلى الحق المبين، البررة الأزكياء، والموضحين الشريعةَ الغراء. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

       عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله الذي >وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ< الروم، 21. 

       إن التزاوج مبدأ كوني لم يختص به جنس أو نوع أو صنف من المخلوقات، وإنما جعله الله نظاما يحكم حركة الحياة؛ حيث نرى الذكر والأنثى والسلب والإيجاب في كل شيء، في الحيوانات والنباتات والذرات والخلايا والمجرات حتى السحابِ، فإنا نجد الهواء يدفع السحابة الأنثى في حضن السحابة الذكر، وفق قانون السلب والإيجاب، فتنشأ علاقة تفاعلية يتولد من خلالها الرعد والبرق. فصدق الحق سبحانه حينما قال: >وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ< الذاريات، 49. 

       ولما كان الإنسان ابنَ هذه الطبيعة الواحدة، كان هو بدوره خاضعا لمبدأ التزاوج. والغريزة الجنسية عند البشر حاجة طبيعية لا ينبغي التغافلُ عنها، أو عدُها من العيوب التي يجب التكتم عليها، وإنما هي قوة أودعها الله فينا كما أودع القوة العاقلة والقوة الغاضبة. والغريزة الجنسية من أقوى الغرائز التي تلح على صاحبها بالإشباع، والممارسة،  فكيف نتعامل معها؟ في الواقع ليس أمامنا إلا خياراتٌ ثلاث: الكبت – الانحلال الجنسي – الزواج الشرعي.

       أما الكبت، فهو جعل الجنس حبيسا لدى الإنسان، مما يحوّله إلى مصدر قلق وتوتر في عقله الباطن، يبحث عن متنفس لإشباع هذه الرغبة المكبوتة، فنرى عينيه زائغتين ينظر يمنة ويسرة، أو حاملا آلة التحكم متنقلا من محطة فضائية لأخرى، أو بين المواقع الإلكترونية، فينصرف عن التفـكير في غير الجنس، حتى تتوقف الحياة عنده، وإن كان المجتمع كذلك توقفت حركة التطور فيه؛ لأنه سيعيش حالة من اللاتوازن الداخلي وإن تظاهر بعكس ذلك.

       وهذا ما رفضه الإسلام بذمه الرهبانية؛ فقد روى عكاف بن وداعة الهلالي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سأله ذات مرة: يا عكاف ألك زوجة؟ قلت: لا! قال: ألك جارية؟ قلت: لا! قال: وأنت صحيح موسر؟! قلت: نعم والحمد لله! قال: إنك إذًا من إخوان الشياطين! إما أن تكون من رهبان النصارى، وإما أن تصنع كما يصنع المسلمون. وإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم...إلى أن قال: ويحك يا عكاف تزوج تزوج فإنك من الخاطئين. قلت: يا رسول الله زوجني قبل أن أقوم. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): زوجتك كريمة بنت كلثوم الحميري.

       وهكذا لم تكن دعوى النبي إلى ترك الكبت والرهبانية مجرد دعوى نظرية، وإنما كانت تشريعا عمليا يصب في رافد تحبيب الزواج وتسهيله كما ظهر من الرواية.

       وهناك موقف آخر يُظهر لنا أن الإسلام لم يستقبح أن تعبر المرأة عن رغبتها في الزواج؛ لأنها بكل بساطة تعبر عن حاجة تتلاءم وإنسانيتها؛ فينقل لنا الإمام الصادق (عليه السلام) أن امرأة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: زوّجني، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): من لهذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما تعطيها؟ قال: ما لي شيء، فقال: أتحسن شيئا من القرآن؟ قال: نعم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلمها إياه.

       ولقائل أن يقول: ولكن القرآن دعا إلى التعفف؛ فقال تعالى: >وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا...< النور، 33. لأنا نقول: إن الدعوى إلى التعفف ليست دعوى إلى الكبت، وإنما هي دعوى إلى التورع عن الجنس غير المشروع في طريق السعي إلى تحقيق الاستطاعة التي يقدر معها الإنسان على إيجاد الزوجة، من هنا كان الأمر بالتعفف مغيّى بالغنى؛ قال تعالى: >وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ...< النور، 33. 

       هذا بالنسبة للحل الأول المفترض، وهو الكبت، وقد بان فساده وبعده عن فطرة الإنسان وطبيعته البشرية. فماذا عن الانحلال الجنسي والذي يعني إباحة كل شيء لإرضاء هذه الغريزة؟

       نقول: إن إفساح المجال أمام إشباع الرغبات الجنسية دون قيود، ولا رقابة يؤدي إلى كوراث اجتماعية ونفسية وصحية؛ من الأولاد غير الشرعيين، إلى التفكك الأسري بسبب الخيانة الزوجية، إلى كثير من الأمراض الجنسية التي تفتك بالجسم الإنساني أشرَّ فتك؛ ولمزيد من التوضيح أنقل لكم بعض الإحصائيات المجراة في الولايات المتحدة الأميركية في هذا المجال:

على مدار العشرين سنة الأخيرة زادت نسبة الحمل غير الشرعي من 15 % إلى 51% - مليون ومائة ألف حمل في سن المراهقة، 75 % من هذه الحالات لم يكن الحمل فيها مقصودا، ربعمائة ألف حالة من هاته ستجهض مبكرا، بينما أكثر من مائة ألف أخرى ستسقط في أشهر الحمل الأخيرة- 51 % من الحالات الداخلية في المستشفيات لشباب تحت الثامنة عشر هي لحالات ناتجة عن مضاعفات الإباحية الجنسية - في كل يوم يصاب 33 ألف مواطن أمريكي بمرض من الأمراض التي تنتقل بالممارسة الجنسية، ويبلغ المجموع هذا العام 12 مليونا . ويمكننا بسهولة تصور مدى الخسارة المادية والصحية المتمثلة في هذه الأرقام . 

أمام هذه الإحصائيات أيُّ عاقل يسلك مسلك الانحلال الجنسي، وهو يعرف أنه يسلك به إلى وادي التهلكة السحيق؟ فلم يبق لدينا إلا ما أكدت عليه الشريعة، فكان حلا يشبع به الإنسان حاجته الإنسانية من جهة، ويكفل استمرار البشرية من جهة أخرى، ويحفظ الأسرة، ويصون الجسم والنفس من أنواع البلايا، ألا وهو الزواج الشرعي، الذي قال فيه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم): "من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي".

فما أعظم الزواج الذي شكّل بمفرده نصف ديننا العظيم! وكأن الدين الذي هو بلبّه مجموعة أوامر ونواهٍ، قد جُعِل في كفة في قبال الزواج؛ حيث يصبح المكلّف معه أكثر امتثالا لأوامره تعالى، وأترك لنواهيه؛ لما يبعثه الزواج من طمأنينة وصفاء وسكينة وعفة وتوازن في النفس، فتصبح أكثر استعدادا لاختيار الصالح وترك الفاسد.

من هنا كان الحث عليه؛

- فقال إمامنا الباقر (عليه السلام): "ما بُني بناء في الإسلام أحب إلى الله (عز وجل) من التزويج".

          - وقال الصادق(عليه السلام): "ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب".

          - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "من أحب أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليلقَه بزوجة".

          - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم".

          - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أفاد عبدٌ فائدة خيرا من زوجة صالحة، إذا رآها سرّته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله".

       ولما كان الزواج عظيما إلى هذا الحد، شرّع له الإسلام الكثير من القوانين التي تنظمه وتحفظ قداسته. فاشترط العقد بين الزوجين، والعقد إيجاب من المرأة، وقبول من الرجل، يحددان فيه مهرا تملك الزوجة نصفه بمجرد العقد، ونصفه بعد الزواج. ولليس هذا المهر ثمنا يدفع الزوج وكأن المرأة سلعة يشتريها، وإنما هي حسب التعبير القرآن نِحلة؛ قال تعالى: >وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً < النساء، 4.  والنحلة هي العطية التي تعطيها عن طيب نفس وبلا توقع عوض، فهي بذلك على معنى الهدية.

      

أسأل الله تعالى، أن يهب رجالنا ونساءنا الزوجَ الصالح، فإن الأسرة الصالحة نواة المجتمع الصالح. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 كيفية الغسل

 غاية الخلق

 مشاهدة الأفلام والمسلسلات

 حكم النظر والستر

 غسل السقط

 عِدَد الطلاق والوفاة والزواج المؤقت

 العدل 2

 الوطن الاتخاذي

 في مختلف المطالب

 محادثة الرجال والنساء

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net