﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 التوبة (3) 

القسم : محاضرات رمضانية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 29   ||   القرّاء : 4140

          بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وخاتم النبيين أبي القاسم ياسين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجميعن إلى أن يشاء رب العالمين، وبعد..

          لما وسعت الرحمة الإلهية كل شيء، تعاظم اللطف الإلهي بعباده، فحرص سبحانه وتعالى على غفران ذنوبهم، ففتح لهم باب التوبة، ودعاهم لدخوله، وأغراهم بحسن استضافته إليه. ولم يكتف الرؤوف بذلك، وإنما جعل لهم أبوابا أخرى لتكفير السيئات، وغفران الذنوب، حتى يلقاهم وقد طهروا من كل خطيئة، فيناديهم بـ>يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي< الفجر 27-28-29-30. وتخاطبهم الملائكة: >...سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ< الزمر 73.

الباب الأول: (الطاعة)

اعلموا أنه لما كان الجسم لا يكتفي حينما تغزوه أنواع الجراثيم بالوقاية، وإنما يحتاج إلى أدوية مضادة، كذلك القلب حينما تصيبه أنواع المعاصي لا يكتفي بتركها وعدم العود إليها، بل لا بد من محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فنمحو استماع ما حرم الله بالاستماع إلى كلام الله مثلا، ونكفِّر عن ظلم الناس ببرهم والإحسان إليهم بعد رد حقوقهم، ونبدل استغابتنا للناس بنشر محاسن أخلاقهم. قال تعالى: >وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ< هود 114.

وقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أهم العبادات التي لها هذه الخصوصية؛ منها:

- حسن الخلق، قال الصادق (عليه السلام): "إن حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن سوء الخلق ليُفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسل".

- الصدق، عن الصادق (عليه السلام): "إن الرجل ليصدق حتى يكتبه الله صديقا، وليس يتخلل بينها وبين النبوة مرتبة". قال (عز وجل): > وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا< مريم 41.

- وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من كفارات الذنوب  العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب".

- الحج والزيارة؛ فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): "الحجاج يصدرون على ثلاثة أصناف: صنف يعتق من النار، وصنف يخرج من ذنوبه كهيئة ولدته أمه، وصنف يُحفظ في أهله وماله، فذاك أدنى ما يرجع به الحاج".

          - الإكثار من السجود، فعن الصادق (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله! كثرت ذنوبي، وضعف عملي، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أكثر السجود، فإنه يحط الذنوب كما تحط الريح ورق الشجر".

          - الصلاة على النبي، فعن الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من صلى عليّ إيمانا واحتسابا استأنف العمل".

          وتكفر الطاعة أنواع المعاصي إذا كان أول عملنا في طاعة وخاتمته في طاعة الله جل جلاله، فعن الباقر (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الملك ينزل بصحيفة أول النهار، فيكتب فيها عمل ابن آدم، فاملؤوا في أولها خيرا، وفي آخرها خيرا، فإن الله (عز وجل) يغفر لكم فيما بين ذلك، فإن الله يقول: اذكروني أذكركم"، ويقول الله: ولذكر الله أكبر".

الباب الثاني: (البلاء)

          وهو يلي باب الطاعة؛ لما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا كثرت ذنوب المؤمن، ولم يكن له من العمل ما يكفرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها به". وتعبير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " ولم يكن له من العمل ما يكفرها" إشارة إلى أن التكفير بالبلاء يكون بعد غياب العمل الصالح".

اعلموا أن الصبر أنواعه ثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر على المعصية، والصبر على البلاء. وقد جعل الحق سبحانه النوع الأخير كفارة للذنوب، فعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إن العبد إذا قارف –أي دانا- الذنوب ابتلي بها بالفقر، فإن كان في ذلك كفارة لذنوبه وإلا ابتلي بالمرض، فإن كان في ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ضيِّق عليه عند خروج نفسه حتى يلقى الله حين يلقاه وما له من ذنب يدّعيه، فيؤمر به إلى الجنة". من هنا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الموت كفارة لذنوب المؤمن".

          وفي المرض قال 3 لامرأة عادها في مرضها: "يا أم العلاء! أبشري، فإن مرض المسلم يُذهب الله به خطاياه كما تُذهب النار خبث الحديد والفضة". ولما عاد (صلى الله عليه وآله وسلم) سلمان قال له: يا سلمان! إن لك في علتك ثلاثَ خصال: أنت من الله (عز وجل) بذكر، ودعاؤك فيه مستجاب، ولا تضع العلة عليك ذنبا إلا حطته، متعك الله بالعافية إلى انقضاء أجلك".

الباب الثالث: (استغفار الملائكة)

          قال إمامنا الصادق (عليه السلام) لأحد أصحابه، وهو أبو بصير، وكنيته أبو محمد: "يا أبا محمد! إن لله (عز وجل) ملائكةً يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا، كما تسقط الريح الورق من الشجر في أوان سقوطه، وذلك قوله (عز وجل) > الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ< غافر 7-8-9. استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق. يا أبا محمد! فهل سررتك؟ قال: قلت: نعم".

          فسبحان الله العظيم ما أرأفه، وما ألطفه، وما أرحمه، فتح لنا أبوابا للمغفرة، حرصا منه على أن لا نذوق عذاب النار، ولا يصيبنا هوانها، تفضلا منه لا استحقاقا.

 

          وهكذا فرغنا من الحديث عن أبواب المغفرة، وعلى رأسها التوبة، واعلموا أن من كمال التوبة صيام ثلاثة أيام، وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) أنها الأربعاء والخميس والجمعة. وغسل التوبة، والصلاة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أيها الناس، من كان منكم يريد التوبة؟ قلنا: كلنا نريد التوبة يا رسول الله! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): اغتسلوا وتوضؤوا، وصلوا أربع ركعات، واقرؤوا في كل ركعة: فاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد ثلاث مرات، والمعوذتين مرة، ثم استغفروا سبعين مرة، ثم اختموا بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قولوا: يا عزيز يا غفار، اغفر لي ذنوبي، وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم قال ما من عبد من أمتي، فعل هذا، إلا نودي من السماء، يا عبد الله استأنف العمل، فإنك مقبول التوبة، مغفور الذنب، وينادي ملك من تحت العرش: أيها العبد، بورك عليك، وعلى أهلك وذريتك، وينادي مناد آخر: أيها العبد، يرضى خصماؤك يوم القيامة، وينادي ملك آخر: أيها العبد، تموت على الإيمان، ولا يسلب منك الدين، ويفسح في قبرك، وينور فيه، وينادي مناد آخر: أيها العبد، يرضى أبواك وإن كانا ساخطين، وغفر لأبويك وذريتك، وأنت في سعة من الرزق في الدنيا والآخرة، وينادي جبرئيل: أنا الذي آتيك مع ملك الموت، أن يرفق بك، ولا يخدشك أثر الموت، إنما تخرج الروح من جسدك سلا –سل الشيء أي انتزعه برفق".

 

          وأختم برواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما قال رجل بحضرته: استغفر الله، فقال له: " أتدرى ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى. الثاني: العزم على ترك العود إليه أبدا. الثالث: أن تؤدى إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة. الرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدى حقها. الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي تنبّت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد باللحم وينشأ بينهما لحم جديد. السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية".

         نسأل الله الغفور الرحيم، أن يكتبنا من المستغفرين التوابين المتطهرين، إنه سميع مجيب.

        أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 المناجاة الرابعة عشرة: مناجاة المعتصمين

 اِختر طريقًا

 المهر في الزواج الدائم والمؤقت وحال الاعتداء

 البرّ المانع

 حقانية علي (عليه السلام) بالإمامة

 شروط المغسِّل

 الإغماء

 في وجوب كون النبي والإمام معصومين من أوّل عمرهما

 المدة في العقد المؤقت ووهبها

 زيارة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) المعروفة بزيارة وارث

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net