﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 تخصيص رمضان بالله تعالى 

القسم : محاضرات رمضانية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 29   ||   القرّاء : 5407

          بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وخاتم النبيين أبي القاسم ياسين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجميعن إلى أن يشاء رب العالمين، وبعد..

          إن المؤمن بالله تعالى يعتقد بما لا يشوبه شك أن الله مالك كل شيء، من زمان ومكان، فهو مالك الليل والنهار، والسماوات والأرض >وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ< الزمر 67.

          ومع أن الله مالك كل الأمكنة، إلا أنه اختص لنفسه بأمكنة خاصة نسبها إليها، فكانت الكعبة مثلا بيت الله، رغم أن الأرض كلها لله، لطفا منه بعباده؛ ليعطيهم وسيلة يتمكنون من خلالها التوصل إليه  بعد معرفتهم لما في هذا المكان من الخصوصية، فتتوق نفوسهم إلى إرضاء ربهم بقصد المكان الذي يحب، فيعبدونه ويتبرون من عدوه فيه.

          وكما جعل المولى سبحانه أمكنة خاصة به، جعل أيضا أزمنة مختصة به، نسبها إليها، بل قرن اسمه بها، مثل (شهر رمضان المبارك)، حيث كان دون سائر الأشهر شهر الله الأعظم، لطفا منه بعباده حيث جعل تعالى لهذا الشهر خصائص لم يجعلها لغيره؛ فكان حسب تعبير رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم): "شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب".

          شهر رمضان أيها الأحبة! ليس مجرد زمن يمضي، ويحل غيره، فيُنسى ويلغى من ذاكرة الأعمال، وإنما شهر رمضان، والحجر الأسود، والقرآن الكريم، ومساجد الله كلها موجودات نورانية ستبعث يوم القيامة لنتخاصم معها، كما أن القرآن والمسجد المهجورين يشكوانِنا إلى الله يوم القيامة. أما أنها موجودات نوارنية، فلا عجب من ذلك، بعدما عرفت أنك أنت نفسُك كنت عدما، كما خاطب الله تعالى نبيه زكريا حينما تعجب من أن يكون له ولد > قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)< مريم. وهكذا يفترض أن يزول عجبك من تجسيد شهر رمضان وتوصيفه بأنه موجود نوراني.

          أما أنه يتخاصم معنا يوم القيامة، فذلك لرواية عن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: "أرى في يوم القيامة أن شخصا يجرّونه، فأقول: إلى أين تأخذوه؟ فتجيب الملائكة: إن خصمه شهر رمضان، فأقول: أنا بريء ممّن خصمه شهر رمضان". رغم أن النبي رحمة للعالمين، وادخر شفاعته لأهل الكبائر، وقال فيه تعالى: > وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ...(33)< الأنفال، إلا أنه يتبرأ ممن خصمه شهر رمضان! لماذا؟ لأنه شقي، أي لا خير فيه، فهو آيس من رحمة الله، كعاقر ناقة صالح أشقى الأولين، وقاتل أمير المؤمنين أشقى الآخرين، ومبغض أهل البيت، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ينقل صاحب الكشاف الزمخشري: " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله". وكذلك خصيم شهر رمضان شقي؛ لأنه تعالى واستكبر على مائدة الخير الطويلة العريضة " فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب".

          وهكذا أيها الأحبة! بعدما تبيّن لنا أن شهر رمضان، ليس مجرد زمن يمضي كسائر الأزمان، وإنما هو وجود نوراني رباني يتشخص لنا يوم القيامة، ينبغي أن نتوجه إلى أنفسنا بالقول: أيتها النفس! إنه قد أقبل شهر الله المعظم، فيجب أن تستعدي لحسن استقباله وتوقيره وحسن مصاحبة آناته بعد معرفة قدره وفضله. فإذا سألت النفس عن كيفية ذلك كله، أخبرها بأن هذا الشهر العظيم ليس شهرا للجوع والعطش، وإنما شهر غسيل النفس وتعقيم الروح من درن المعاصي، وشهر التخلص من الحشائش الخبيثة التي نبتت فينا على امتداد السنة باجتراح المحرمات، وترك الواجبات أو التقصير فيها. شهر  الانقلاب والثورة على واقعنا على نفوسنا وبيوتنا ومحيطنا، شهر المحاسبة على الماضي، والتطلع لمستقبل يغلب فيه الخير.

          فإذا عرفت النفس ذلك، مُنحت كراماتِ هذا الشهر الفضيل، فحُبيت بالثواب المضاعف، وتطهرت من المعاصي الكبير منها والصغير، وأدركت أبعاد هذا الشهر الأخلاقية والتربوية؛ حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصار كم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم". وقال: "من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازا على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه، خفف الله عليه حسابه، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه".

          هذا هو شهر رمضان، وليس بالكف عن المفطرات فحسب، وقد روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع امرأة تسب جارية لها وهي صائمة، فدعا بطعام وقال لها: كلي! قالت: إني صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟ إن الصوم ليس من الطعام والشراب". وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".

          فيا أيها الأحبة! تعالوا نستقبل شهر رمضان، بقلوب صافية، خالية من الحقد والحسد والبغض، لتكون قلوبنا أرضا نزعت منها الأشواك، وحرثت بإخلاص حتى أصبحت قابلة لبذور خير نزرعها اليوم ونحصدها على مدار السنة. وهذا ما دعا إليه النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ حيث قال: "اللهم سلِّمنا لشهر رمضان، وسلِّمه لنا، وتسلّمه منا، حتى ينقضي شهر رمضان، وقد غفرت لنا".

          نحن في شهر الله، فلا تتثاقلوا عن كثرة العبادة والدعاء وقراءة القرآن. إن فرصتنا التي يجب أن ننتهزها، فلا ندري إن كنا نعيش لرمضان آخر، وعلى حد تعبير أمير المؤمنين (عليه السلام): "الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير".

          وأي فرصة هو شهر رمضان، إنه شهر التوبة والمغفرة، وشهر الإنابة والعفو، وشهر الكرم والجود، وليس شهر اللحم والحلوى، إنه شهر الدعاء وتلاوة القرآن، وليس شهر المسلسلات والأفلام. إنه الشهر الذي يكرم الله فيه الصائم حين إفطاره حيث يقول له: "ما أطيب ريحك، وروحك، يا ملائكتي! اشهدوا أني قد غفرت له".

          اللهم َاغْفِرْ لَنَا الْخَطيئاتِ، وَتَجاوَزْ عَنَّا السَّيِّئاتِ، وَاجْعَلْنا مِنَ الْعامِلينَ الْفائِزينَ، وَلا تَجْعَلْنا مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ، حَتّى يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضانَ عَنّا وَقَدْ قَبِلْتَ فيهِ صِيامَنا وَقِيامَنا، وَزَكَّيْتَ فيهِ أَعْمالَنا، وَغَفَرْتَ فيهِ ذُنوبَنا، وَأَجْزَلْتَ فيهِ مِنْ كُلِّ خَيْر نَصيبَنا، فَاِنَّكَ الإِلهُ الُْمجيبُ، وَالرَّبُّ الْقَريبُ، وَأَنْتَ بِكُلِّ شَيْء مُحيطٌ .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 القابض الباسط

 الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام)

 العزائم وسجود التلاوة

 صيد السلاح

 الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

 الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)

 أهمية المسجد

 القراءة

 الإمام المهدي (عليه السلام) 3

 القراءة في الجماعة

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net