﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 غزوة بدر 

القسم : محاضرات رمضانية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 29   ||   القرّاء : 5205

          بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وخاتم النبيين أبي القاسم ياسين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجميعن إلى أن يشاء رب العالمين، وبعد..

          في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة، وهي السنة التي فرض فيها الصيام، حصلت أولى معارك الإسلام الكبرى، وهي معركة بدر. وقد سبق هذه المعركة أربع غزوات وأربع سرايا كانت أشبه بدوريات استطلاع، وكان معظمها بهدف التعرض لقوافل قريش التجارية، وإن لم تحصل المواجهات في بعض منها.

          وإن سألت عن أول مواجهة قتالية، فهي مواجهة أمير المؤمنين (عليه السلام) أثناء هجرته مع الفواطم إلى المدينة، وهن: أمه السيدة الجليلة فاطمة بنت أسد، سيدة النساء فاطمة الزهراء، وابنة عمه فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب. وكان معه من الرجال اثنان: أيمن ابن أم أيمن، وأبو واقد الليثي. فلما قاربوا (ضجنان) واجه الإمام ثمانية فرسان، فقتل أحدهم، وهم (جناح) مولى حرب بن أمية، فولى البقية الأدبار.

          هذه أول مواجهة قتالية، أما غزوة بدر الكبرى، أو غزوة الفرقان، فهي من أهم غزوات المسلمين التي كانوا يعتزون ويتفاخرون بها، حتى أنهم إذا أرادوا مدح أحدهم قالوا: إنه بدريّ. وقد ذكرها الله في ثلاث سور من القرآن الكريم: النساء، والأنفال، والحج.

بعد تعرض المسلمين للتضييق والتعذيب أكثروا الشكوى عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان النبي يبلغهم أنه بانتظار أن يأذن الله تعالى له. وما زالوا على تلك الحال حتى أنزل الله من سورة الحج: >أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ< (39-40). الصوامع للنصارى، والبيع لليهود، والصلوات للديانات الأخرى، والمساجد للمسلمين.

في البداية كمن المسلمون لقافلة تجارية لقريش آتية من الشام، وكان على رأسها أبو سفيان، وكانوا يريدون التعرض لها عند آبار بدر لتقويض قوة قريش الاقتصادية، فتهتز قواهم العسكرية. 

علمت قريش بذلك، فأعدوا العدة لإنقاذ قافلتهم. أما أبو سفيان، فقد سلك طريقا آخر، ثم أرسل لقريش أن ترجع إلى مكة، ولكن أبا جهل أبى إلا المواجهة.

تجهز المسلمون بكتيبتين: كتيبة من الأنصار وهي الأكبر، وأخرى من المهاجرين، وكان عددهم 313، ومعهم سبعون بعيرا وفَرَسان. بينما كان عدد المشركين 950، ومعهم مائتا فرس وعدد كبير من البعير، وكان قائدهم الميداني أبا جهل بن هشام المخزومي. وكما في كل تحرك عسكري مدروس، أرسل النبي دورية استطلاع، ثم تحرك نحو آبار بدر.

وفي أثناء المسير، أراد النبي أن يختبر أصحابه، ويعرف موقفهم من المواجهة، فتوجه بداية إلى المهاجرين، فقام أبو بكر وقال: إنهم قريش...وقال عمر مثل مقالته، فدعاهما النبي إلى الجلوس. ثم قام المقداد بن عمرو البهراني المعروف بالمقداد بن الأسود الكندي (وقد تبناه الأسود بن عبد يغوث فنسب إليه) قائلا: "والله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: >... فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ< 24 المائدة. ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فاستبشر النبي لذلك ودعا للمقداد.

          ثم توجه (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار، فقال: أشيروا عليّ أيها الناس! فوقف سعد بن معاذ وقال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئن به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكْره أن تلقى بنا عدوَنا غدا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله".

          وبعد أن اطمأن النبي لثبات معظم أصحابه، أكمل مسيره حتى اقترب من آبار بدر. أوقف المسير، ثم توجه مع أحد أصحابه لاستطلاع الأمر، فوقف على شيخ من العرب، فسأله ما سمع عن محمد وأصحابه، فاشترط الشيخ قبل إعلامهم بشيء أن يعرِّفوه بنفسيهما، فقال النبي: إذا أخبرتنا أخبرناك، فأخبرهم بما سمعه عن النبي وأصحابه، وما سمعه عن قريش وجيشها، فقال النبي جوابا على سؤاله: نحن من ماء.

          وصل المسلمون إلى بدر، فأقاموا بمكان رخو لا تستقر فيه الأقدام، بينما أقام المشركون في مكان صلب، فألقى الله النعاس على المجاهدين لتسترخي أعصابهم ويشعروا بالأنام، ثم أمطر السماء لتتلبد أرضهم وتثبت أقدامهم، وتتوحل أرض المشركين الصلبة، فيصعب عليهم الحراك، وقد نزل القرآن في ذلك، قال تعالى: > إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ< 11-12 الأنفال. والبنان أطراف الأيدي والأرجل.

          وتبدأ المواجهة، ينظم النبي الصفوف، فيجعل حملة الرماح في المقدمة، وفي الوسط حملة النبال، وفي الخلف حملة السيوف، وأعطى الراية لأسد الله الغالب علي بن أبي طالب (عليه السلام). بينما كان المشركون مشتتين غير منظمين يقاتلون أفرادا لا مجموعات.

          استهلت المعركة بمواجهة الإمام علي للوليد بن عتبة، ومواجهة حمزة لشيبة بن ربيعة، ومواجهة عبيدة بن الحارث لعتبة بن ربيعة. قتل الإمام الوليد، وكان الحمزة قد تعانق مع شيبة، فطلب منه الإمام أن يطاطئ رأسه لطوله، ثم ضرب الإمام شيبة على رأسه، ثم توجه الإمام إلى عتبة بعدما قطع رجل عبيدة فقتلهن وهكذا قتل الأمير الثلاثة، فتضعضع جيش المشركين، حتى انهزموا صاغرين؛ حيث قتل منهم سبعون رجلا، قتل الأمير نصفهم. وكان عدد شهداء المسلمين أربعة عشر شهيدا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين.

          ولما لم كان التاريخ مصدرا نستقي منه الخبرات، تعالوا نستنتج الدروس والعبر من هذه المعركة العظيمة:

1- ضرورة الرجوع إلى القيادة والتشاور معها، كما فعل المسلمون حيث لم تحركهم غرائزهم في استعجال الحرب، وإنما انتظروا إشارة القائد (صلى الله عليه وآله وسلم).

2- اختبار القائد لجنوده، حتى لا يخذلوه في الميدان حيث يصعب التراجع؛ كما فعل النبي قبل إدراك بدر.

3- إعداد الجيش وتنظيم الصفوف.

4- أهمية الاستطلاع حتى لا نتفاجأ بعدد العدو ومكانه.

5- جواز الخدعة في الحرب. وكما قال الأمير (عليه السلام): "الحرب خدعة".

6- وحدة القيادة، وضروة أن يكون القائد واحد من مقاتليه، فلا يناديهم من مكان بعيد.

7- الثقة بالنفس، والاعتقاد أن النصر من عند الله، وأن الأعداد لا تصنع النصر، كما قال الحق سبحانه: >... كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ< 249 البقرة.      

          أسأل الله تعالى أن يكتبنا من البدريين الحسينين، ويجعلنا من أنصار حجته المهدي المنتظر، ويوفقنا للقتال بين يديه، إنه سميع مجيب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 الرب السيِّد

 أحكام النون والميم المشددتين والغنة

 نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)

 الحسد والتشاؤم

 المهر في الزواج الدائم والمؤقت وحال الاعتداء

 الإمامة في فكر العلاّمة الحلّي

 خمس مواد البناء والبيوت

 التحريم بالزنا والعقد ووطء الشبهة

 العادة السرية

 المناجاة الثامنة: مناجاة المريدين

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net