﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الموت (1) 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 5467

          بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن وصفه أوهام الواصفين. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأئمة، البررة الأتقياء، والسادة الأصفياء، القائمين على المحجة البيضاء. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

       عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله الذي >يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ< الجاثية، 26. 

       الموت أهم حدث يتوقعه الإنسان، ويتوهم الملاحدة أنه يمثل العدم والتلاشي، بينما يعتقد المؤمنون أنه يمثل معبرا لحياة أخرى. والموت في ظاهره توقف نشاط الجسم، فلا قلبٌ ينبض، ولا شريان يخفق، ولا أطراف تتحرك. وفي حقيقته الدينية الموت قبض الروح من الجسد بأمر من الله (عز وجل).

       إن الحكيم سبحانه محال أن يفعل شيء إلا لغرض، فلماذا خلق الله الموت الذي يقض مضاجعنا، وينغص علينا حياتنا، وما الحكمة منه؟ نقول: إن طبيعة التكليف والتكوين تستلزم الموت لأمور خمسة: أولا: إن مقتضى التكليف يستلزم نقل الإنسان إلى عالم المجازاة، حتى يعوض الله على المؤمنين، وينتصف للمظلومين من الظالمين بعدما تعذر إقامة العدل المطلق في هذه الدنيا. ثانيا: قهر روح التمرد والتكبر عند الإنسان المتجبر الذي يتصرف وكأنه سيخلد في هذه الدنيا، فيبدد الموت أوهامه، ويذكره بضعفه وعجزه (فسبحان الذي قهر عباده بالموت). ثالثا: الموت ينغص على أهل الشهوات متعتهم، ليحذرهم من الانسياب الكلي باتجاه وادي الشهوات السحيق؛ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "أكثروا من ذكر هادم اللذات، ومنغص الشهوات". رابعا: الموت راحة للإنسان من معاناته واحتياجه للآخرين بعدما شاخ، وعجز، وأمسى حبيس ذكرياته، وعكازه، والموت راحة للعالم من الطغاة؛ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "موت الأبرار راحة لأنفسهم، وموت الفجار راحة للعالم". خامسا:  الموت يفسح المجال أمام الأجيال الطالعة لأخذ دورهم في الحياة.

       ثم إذا كان الموت عبارة عن قبض الأرواح فمن هو هذا القابض؟

       قد تلتبس على القارئ لآيات التوفي هوية قابض الأرواح؛ فإنا نجد الحق سبحانه مرة ينسب التوفي إلى نفسه؛ قال: >اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا< الزمر 42. وأخرى ينسبه إلى ملك الموت عزرائيل (عليه السلام)؛ قال تعالى: >قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ< السجدة 11. وأخرى ينسبه إلى الملائكة؛ قال تعالى: >الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ < النحل 28. فمن يقبض الأرواح؟ هل الله (عز وجل)، أم عزرائيل (عليه السلام)، أم غيره من الملائكة، أم الجميع؟

       في الواقع هذه الآيات يفسر بعضها بعضا، فالحق كما ورد في روايات أهل البيت (عليهم ا لسلام)، أن قابض الأرواح هو عزرائيل (عليه السلام)، ولكن لما كان لا شيء يتحرك في هذا العالم إلا بإجازة من الله (عز وجل)، كانت نسبة التوفي إلى الله بملاحظة أنه الآمر والناهي، وهذا ما نبّه عليه عزرائيل (عليه السلام)؛ حيث قال: "لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليها حتى يأمرني ربي بها". أما قوله تعالى: > تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ <، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عنها، فقال: إن الله (عز وجل) جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح، بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجهم".

       عرفنا أن عزرائيل (عليه السلام) قابض الأرواح، ولكن لماذا اختاره الله سبحانه دون غيره من الملائكة؟

       ورد أنه حينما أراد الله (عز وجل) أن يخلق أبينا آدم (عليه السلام)، فقال مخاطبا الملائكة: > وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ< البقرة 30. ظنت الملائكة من إجابته تبارك وتعالى أنه غضب عليها، فقامت تسبحه وتقدسه وتطوف بالبيت المعمور، وهو مسجد في السماء السابعة مشاد من الزبرجد الأخضر، وسقفه من الياقوت، تطوف حوله الملائكة، وهو محاذٍ للكعبة؛ بحيث لو سقط حجر منه بشكل مستقيم لسقط فوق سطح الكعبة. وبينما الملائكة تطوف حول البيت المعمور وتستغفر، نزل إبليس إلى الأرض وصرخ: أيتها الأرض! أتيتك ناصحا! إن الله شاء أن يخلق منك أفضل الخلائق، وأخشى أن يعصي الله فيدخل النار، فتدخلين به النار، فإن جاء الملائكة يأخذون من ترابك، فأقسمي عليهم بالرب العظيم أن لا يأخذوا من ترابك. ثم أوحى الله (عز وجل) إلى الأرض: إني خالق منك خليقة, منهم من يطيعني, ومنهم من يعصيني، فمن أطاعني أدخلته الجنة, ومن عصاني أدخلته النار، قالت الأرض: أتخلق مني خلقا يكون للنار؟ قال (عز وجل): نعم! فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل, ليأتيه بقبضة منها, من أحمرها, وأسودها,وطيبها، وخبيثها، فلما أتاها جبريل ليقبض منها قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إلي، أن لا تأخذ مني شيئا, فرجع جبريل إلى مكانه، وقال: يا رب استعاذت بك مني, فكرهت أن أقدِم عليها. فقال الله تعالى لميكائيل: انطلق فأتني بقبضة منها. فلما أتاها ليقبض منها, قالت له مثل ما قالت لجبريل, فرجع إلى ربه, فقال ما قالت له. فقال (عز وجل) لعزرائيل: انطلق فأتني بقبضة من الأرض. فلما أتاها, قالت له الأرض: أعوذ بعزة الله, الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا. فقال: وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا ساءك أو سرك. وقبض منها قبضة من جميع بقاعها؛ من عذبها ومالحها, وحلوها, ومرها, وطيبها , وخبيثها. وصعد بها إلى السماء. فسأله الله (عز وجل), وهو أعلم بما صنع؟ فأخبره بما قالت له الأرض، وبما رد عليها .فقال الله تعالى: إذًا يا عزرائيل من يقبض الأرواح! فبكى (عليه السلام)، فقال الحق سبحانه: ما يبكيك؟ قال: ولكن إذا كنت كذلك كرهني الخلائق! فقال الحيكم سبحانه: لا عليك! سوف ألهيهم بالأسباب.

       عرفنا أن عزرائيل (عليه السلام) قابض الأرواح، ولماذا اختاره الله دون غيره من الملائكة، ولكن كيف يتمكن وحده من قبض جماعات في لحظة؟

       هذا السؤال بديهي يطرحه كل من لم يعهد القدرات التي زوّد الله بها ملائكته أولي الأجنحة مثنى  وثلاث ورباع، فقد ثبت في معتقدنا أن عزرائيل (عليه السلام) يتمكن من قبض أرواح الملايين في لحظة برا وبحرا وجوا، وما ذلك بعزيز على من يرزق الخلائق في لحظة، ولكن هل إلى تصور ذلك من سبيل؟

       يقول إمامنا الصادق (عليه السلام): قيل لملك الموت: كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب، وبعضها في المشرق في ساعة واحدة؟ فقال: أدعوها فتجيبني. قال: وقال ملك الموت إن الدنيا بين يدي كالقصعة بين يدي أحدكم، يتناول منها ما يشاء، والدنيا عندي كالدرهم في كف أحدكم يقلبه كيف يشاء.

       أما الهيئة التي يقبض عليها عزرائيل  (عليه السلام) الأرواح، فإنه يأتي المؤمن بأحسنِ زيٍّ ورِيٍّ –صورة-، ويقبض روحه برفق، وقد ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على أحد أصحابه وهو يجود بنفسه، فقال: يا ملك الموت، ارفق بصاحبي! فقال (عليه السلام): أبشر يا محمد! فإني بكل مؤمن رفيق".

       وأما الكافر، فإنه يأتيه بأقبح صورة، وأفزع منظر، وقد ورد أن النبي إبراهيم (عليه ا لسلام) عاين ملك الموت أثناء قبضه روح الفاجر، فأغشي عليه، ولما استفاق قال له: لو لم يلق الفاجر عند موته إلا صورة وجهك لكان حسبه.

       ثم صحيح أن كل الناس المؤمنين منهم وغيرهم يؤمنون بالموت، ولكننا نجد الناس غالبا ما يتكلمون عن مفاجأة الموت، وأنه يأتي على حين غرة، فهل صحيح أنه يفاجئنا؟

       اعلموا أن المنتظر لشيء لا يتفاجأ بمجيئه، وبذلك يكون أمر الموت بغتةً للغافلين، ولقاء منتظرا للراجين؛ إذ لا ينسى المحب لقاء حبيبه. وما أكثرَ ما يذكرنا بالموت. وهنا تستحضرني قصة لطيفة، من أساطير السابقين، فيها من الحكمة والموعظة ما يملأ الفؤاد، ويُقِرُّ الروح. فقد روي أن رجلا وفِّق للقاء ملك الموت ومصادقته، فأراد الرجل أن يستغل صداقته ليعرف من صديقه ساعة أجله، ليتنبه قبلها ويصلح شأنه، إلا أن ملك الموت لم يجبه معتذرا أن ذلك سرٌ من أسرار الملوك، ولكنه وعده أنه لن يباغته، وإنما سيرسل له من ينبهه قبيل حلول الأجل. فسعد الرجل بذلك ورضي.

       وتمر الأيام، وهذا الرجل واضعا رجليه في طشت من الثلج؛ إذ ما من إرهاصات -أي علامات غير عادية- تنبئ عن حلول آخر الرحلة، والرسول الموعود لم يأت بعدُ. وبينما هو كذلك، فإذا بالملك الصديق يقبل عليه، ولما رآه الرجل قال: سلام عليك، أزائر أم قابض؟ فقال الملك: بل قابض لك إلى الدار التي لا رجوع منها، فقال الرجل: ولكنك وعدتني أن ترسل لي رسولا ينبهني! فقال الملك: وقد وفيت بوعدي، فقال الرجل: ولكن لم يصلني شيء! فقال الملك: على رسلك! ابيضاض شعرك بعد سواده، وتقوّس ظهرك بعد استقامته، وارتعاش صوتك بعد ثباته، وشح بصرك بعد حدته... طلبت رسولا، فأرسلت إليك رسلا.  > إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ<  الأنعام 143. 

أسأل الله الرحيم العليم أن لا يخرجنا من هذه الدنيا إلا وهو راض عنا، إنه سميع مجيب. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 صوم المريض

 عِلم الله تعالى

 إعادة البكارة والتدليس

 زيارة الإمام الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) يوم الخميس

 أنواع الطلاق

 الزكاة

 السلام

 العزائم وسجود التلاوة

 مرحلة الشباب

 الإمام الحسن بن عليّ المجتبى (عليهما السلام)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net