﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر 

القسم : متفرقات ثقافية   ||   التاريخ : 2025 / 08 / 29   ||   القرّاء : 25

الذكرى ٤٧ لتغييب الإمام الصدر

سبعًا وأربعين سنة مرَّت على تغييب الإمام السيِّد موسى الصدر غدرًا في (ليبيا - القذَّافي) في ٣١ آب/أغسطس سنة ١٩٧٨م. وما زال وجعه يحوك في نفوس اللبنانيِّين، وما زالت كلماته تنبض في قلوبهم التي حاول أنْ يضخَّها في شرايين هذا الوطن الصغير بحجمه، الكبير برسالته.

وفي هذا الظرف الحسَّاس والأخطر الذي يعيشه بلدنا الحبيب (لبنان) منذ نشأته، نتوجَّه إلى إخوتنا اللبنانيِّين بهذه الكلمات التي أرجو أنْ يكون فيها للّٰه رضا، وللبنانيِّين هدى.

 

الطوائف نعمة والطائفية نقمة

عانى (لبنان) ويعاني مِنْ أزمات اقتصاديَّة، وحروب، وفساد مستشرٍ في كلِّ مؤسَّسات ومرافق الدولة، وفساد وإفساد ساسته الذين باعوا وطنهم لحساب مصالهم الشخصيَّة وكُرْمَى لعيون الخارج الذي ما انفكَّ ينظر إلى (لبنان) بعين الحاسد المبغض والعدوِّ... كما عانى ويعاني من زعماء طائفيِّين يقتاتون على إزكاء نائرة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد بعنوان المذهب والطائفة، رغم أنَّ (الطوائف)؛ كما قال السيِّد موسى الصدر "نعمة"؛ لأنَّها تعكس تنوُّعًا فكريًّا وثقافيًّا إذا تمَّ تقبُّله مِنَ الآخر حوَّل (لبنان) إلى بستان، بينما البستان يُحسب وَعْرًا قياسا إليه؛ كما جاء في الكتاب المقدَّس حاكيًا عَنْ (لبنان) في [إشعياء ٢٩: ١٧]. كما شاءت الإرادة الإلهيَّة جعل التنوُّع بين البشر؛ فقال (عزَّ مِنْ قائل): {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)} [الحُجُرات]. 

أمَّا (الطائفيَّة)، فلا شكَّ أنَّها أُسُّ المصائب في بلدنا؛ لأنَّها تعكس تعصُّبًا أكْمَه، ومصادرةً عَقَدِيَّة يمقتها اللّٰه تعالى؛ بما فيها مِنْ تفاضل مقيت بين إخوتنا في المواطنة.

 

الإمام الصدر يحمي المسيحيين كما المسلمين

إنَّ الصادق المخلص لمنهج السيِّد موسى الصدر، لا شكَّ أنَّه سيتماهى مع فكره الذي وقف سدًّا منيعًا أمام التقسيم والتفرقة والحرب الأهليَّة والتحارب بين الطوائف. وهنا أستذكر كلمته المشهورة في منتصف السبعينيَّات: "‎كلُّ طلقةٍ تُطلق على دير الأحمر أو القاع أو شليفا - [وهي قرى مسيحيَّة] - إنَّما تُطلق على بيتي وعلى قلبي وعلى أولادي...".

 

شعارات الطائفيِّة والتفرقة

مهما يكن مِنْ شيء، فإنَّنا في هذه الذكرى الأليمة لتغييب رمز وطنيٍّ، كنَّا وما زلنا بأمسِّ الحاجة إليه وإلى أمثاله، نَرْبَأُ بل نَشْنَأُ بأبناء وطننا الحبيب (لبنان) أنْ يكونوا طائفيِّين؛ سواء الذين يصرخون في الشوارع باسم طائفتهم صراخًا ظلاميًّا، يبرأ منها الدين والطائفة والمذهب، ولا يحمل في طيَّاته سوى الجهالة والضلالة والاستفزاز للآخر، أم الذين يتعالَون على إخوانهم، فيصرًّخون عند كلِّ مفترق أنَّهم مميَّزون عَنْ غيرهم (ولا يشبهونهم)، ولا أدري بماذا هم مميَّزون ومختلفون؟! وهل يحتمل الوطن هذا التباهي المزيَّف الأجوف، ونحن جميعا نؤاسي البلاءات نفسها على متن سفينة واحدة، إنْ غرق جانبًا منها غرقت برمَّتها؟!

 

سبُّ الوطن

كم يؤلمني هؤلاء الذين يسبُّون وطنهم بحجة غياب الخدمات، أو العوز، أو فقدان الأمن والعدالة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والقضائيَّة. فأنَّى لهؤلاء أنْ يسبُّوا وطنهم الذي تربُّوا في كنفه، متوسِّدين ترابه، ملتحفين سماءه، فإنَّ هؤلاء يسبُّون أمَّهاتهم؛ إذ الوطن أمُّ مواطنيه، ويشتمون أنفسهم؛ فهل يعمر الوطن بغير أبنائه؟!

فنحن وفي الوقت الذي نربأ بأحد أنْ يكون سبَّابا شتَّاما، فإنَّنا ندعو أهلنا أنْ يوجِّهوا بوصلة غضبهم المحقِّ إلى (الدولة) التي ما فتئت تخون مواطنيها وتسلبهم حقوقهم، لا إلى (لبنان)، ذلك الوطن الذي اختاره اللّٰه ليكون موطن الكثير من رُسُلِه وأنبيائه (عليهم السلام)، فتسربل بالقداسة منذ نشأته مِنْ آلاف السنين.

 

لبنان في الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم 

لِمَنْ لا يعلم، فليحط علمًا أنَّ (لبنان) هذا، قد زاد ذِكْرُهُ عَنْ سبعين مرَّة في الكتاب المقدَّس؛ حيث تكلَّم عنه بأعظم كلمات، وأبداه بأبهى صورة. وكذلك إنْ لاحطنا أنَّ (لبنان) في محيط الأرض المقدَّسة وحولها في (فلسطين) المحتلَّة المغصوبة والكليمة، فيكون كذلك مذكورا في القرآن الكريم بلدًا مباركًا في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا (حَوْلَهُ) (١)} [الإسراء]. 

 

منهج الإمام الصدر باق 

أيُّها اللبنانيُّون! إنَّ الإمام السيِّد موسى الصدر لم يُقصد بتغييبه أنْ يُغَيَّبَ جسدًا فحسب، بل قُصِدَ أنْ يُغُيِّبَ معه مشروع وطنيٌّ جامع، يدعو إلى المساواة والعدالة، ووحدة الصفِّ والكلمة، ويُحذِّر مِنْ كلِّ شرٍّ مستطير يتسلَّل مِنْ شبابيك الفتنة إلى حرم الوطن. 

ومع ذلك، فإنَّ فِكْرَ السيِّد الإمام ومنهجَه باقيانِ، وكلماته ما تزال مدرسة نور وهداية، وسيرته منارة لكلِّ وطنيٍّ شريف يتوق إلى بناء بلد ودولة عادلة تساوي بين مواطنيها، وتحفظ حقوقهم وأمنهم وحدودهم.

 

وختامًا، أسأل المولى العزيز القدير الذي اعتبر على لسان رسله: "حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإِيمَانِ"، أنْ يصون بلدنا المقدَّس والعزيز على قلوبنا ونفوسنا (لبنان)، وأنْ ينعم عليه بالأمان، ويمنح أهله الطُّمأنينة والسلام.

➖➖➖➖➖➖➖➖

د. السيد حسين علي الحسيني 

واتساب: 009613804079 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

البحوث الفقهية

بحوث فلسفية وأخلاقية

البحوث العقائدية

حوارات عقائدية

متفرقات

سؤال واستخارة

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر

 التحايل السياسي (الإمام علي والمغيرة - نُصْحُ اليومِ وتحايلُ الغدِ)

 الإسلام القرآني

 

 انتقال السيدة العذراء

 أرز الله

 جراح الطفولة وأقنعة الأنا

 الذكورية في استعراضات الأنثى

 العائلة نواة المجتمع

 وَهْمُ الكمالِ

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 المد وفدية التأخير

 فلسفة تدوير الأحزان (الترميم بالذهب)

 الزواج الدائم والمؤقت من الكتابية والكافرة

 الجن والأرواح

 متفرقات صلاة الجماعة

 دعاء كميل

 الباعث الشهيد

 الحج والزواج

 الحسد والتشاؤم

 عصمة الإمام

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net