﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الموت (2) 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 5025

          بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي توحّد بالعز والبقاء، وقهر عباده بالموت والفناء. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأئمة، مقيمي الحدود، ومستأصلي الجحود، وممضي الأحكام، ومهذبي الإسلام. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

       عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله الذي >إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ< التوبة، 116. 

       شرعنا سابقا في الحديث عن الموت، فعرفناه، وعرفنا ضرورَته، والمتولي له، وكيفيةَ عمله، واليوم نكمل الحديث لنقول: رغم أن الموت من المسلمات الإنسانية التي أذعنت لها البشرية جمعاء؛ حيث ينبغي أن يعتاد عليه الناس؛ إذ إن المجتمعات إذا أصابتها ظاهرة ما لأول مرة، ترتعب منها بدوًا، ولكن إذا تكرر وقوعها تصبح ظاهرة طبيعية اعتيادية، من قبيل البرق والرعد، إلا الموت! فإنا نرى الناس يتحاشَون حتى ذكرَه، كما يتحاشَون ذكرَ الأمراض الخبيثة، خائفين وكارهين. فلماذا يكره الناس الموت؟

       يروي إمامنا الصادق (عليه السلام) أن سائلا سأل أبا ذرالغفاري: "لماذا يكره الناس الموت؟ فقال: لأنهم عمروا الدنيا، وخربوا الآخرة، فيكرهون أن ينتقلوا من دار عمار إلى دار خراب". ما أحسن هذا التشبيه! فإن نرى الناس حينما يعملون في المدينة يستأجرون فيها بيتا صغيرا بمقدار حاجتهم الضرورية، فلا يعتنون بظاهره ولا بداخله؛ لأنه لن يدوم لهم من جهة، ولأنهم يعملون على أن تكون عطلهم واستجماهم وتقاعدهم  في بيت القرية الذي يحسنون بناءه، فيوسعون غرفه، ويتأنون في انتقاء طلاء جدرانه، ويحرصون على مساحة خضراء في فِنائه؛ ويبقون على استعداد كامل لتطويره وتجميله عاما بعد عام، في قبال ذلك البيت الصغير في المدينة، الذي يلوثه دخان المصانع، ويملؤه ضجيج السيارت، ويخنقه الازدحام من كل مكان.

       إذا كان هذا حال بيت المدينة، فمن البديهي أن يبقى هذا الإنسان في توق دائم لبيت القرية، وعلى كراهية وتأفف من بيت المدينة. وهكذا الموت، فإنه يمثل تذكرة سفرنا من بيت الدنيا إلى بيتنا الثاني في عالمي البرزخ والآخرة، فمن أحسن بناءه سعد بالسفر إليه، ولم يكره الموت الموصل إليه، وإن اهتم ببيت الدنيا على حساب بيت الآخرة؛ فعمّر الأول وخرّب الثاني، وسّع الأول –وأيُّ سعة في الدنيا، وكلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة- وضيّق الثاني، لن يسعد بالموت؛ لأنه سينقله من نعيم فارقه كان غاية أمله في الدنيا، إلى بيت خَرِب لم يحسن هندسته ليليق كدار لتقاعده وراحته.

       أما المؤمن الذي عمّر الآخرة زاهدا في زيف هذه الدنيا الفانية، فلا شك أن الموت له رحمةً وخلاصا من دار الفناء والمعصية، إلى جوار الله تعالى، وتحررا من سجنها؛ فكما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر". ويعقّب الصادق (عليه السلام) قائلا: "فأيُّ سجن جاء منه خير". كما إن أروع ما في موت المؤمن لقاء رب السماوات والأرض، والعودة إلى رحمه لنغتسل من شوائب هذه الدنيا وترسباتها المادية، ومن هنا ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "الموت تحفة المؤمن".

       وإليكم ما روي في شأن قبض روح إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فقد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "أن ملك الموت دخل على إبراهيم داره، فلما رآه إبراهيم، أخذته الغيرة، فقال للملك: يا عبد الله! ما أدخلك داري؟! فقال الملك: ربها أدخلنيها، فقال إبراهيم: ربها أحق بها مني، فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، فقال إبراهيم: أداعي أم ناعي؟ قال: بل داعي يا إبراهيم، فأجب، قال إبراهيم: فهل رأيت خليلا يميت خليله؟ فرجع ملك الموت حتى وقف بين يدي الله عز وجل، فقال: إلهي قد سمعت ما قال خليلك إبراهيم، قال الله: يا ملك الموت اذهب إليه، وقل: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟!". من هنا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه". وبالتالي من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.

       ومما رُويته أن أحد المبلغين على ثغور الجهاد كان يرغّب المجاهدين ويحثهم على الاستشهاد في سبيل الله، فراح يكلمهم عن الجنة ونعيمها وأنهارها وحور عينها، فقام أحدهم وقال له: يا شيخ! دعني من القصور والحور، وقل لي: هل أرى في الجنة الحسين؟؟

هكذا يتوق المؤمن للقاء الحسين، فكيف لو تأملنا أن رحيلنا عن هذه الدنيا يمنحنا رؤية رب الحسين؟! هل يبقى الموت كُرها لنا، أم نفتح له ساعدينا، ونتلقفه تلقف نسيم السحر؟!

       وفي أجواء الحديث عن الموت، نأتي على ذكر الحزن والبكاء على موتانا، فنقول: لا شك أن البكاء على مفقودنا جائز، إذا لم يصل إلى حد الجزع؛ حيث نخرج به عن حد الرضا بقضاء الله، فهذا أسوتنا رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول حينما مات ولده إبراهيم: "تدمع العين، وحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإن بك يا إبراهيم لمحزونون". وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

اثنانِ لو بكت الدماءَ عليهما عينايَ حتى تأذنا بذهابِ                لم تبلغِ المعشارَ من حقَّيهما: فقدُ الشبابِ وفرقةُ الأحبابِ

          ولما كان الحزن على حسب المحزون عليه، كان حزن المسلمين على مصائب أهل البيت (عليهم السلام) كبيرا؛ حتى ترى العالم في عاشوراء موشحا بالسواد، ضاجًّا بالبكاء، مغمورا بالحزن، فغير هذا لا يليق بمنزلة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، كما لا يصح أن يكون حزننا على هذا الشخص العظيم بمستوى حزننا على أقاربنا مثلا، وقد ظهر هذا التفريق مما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) على قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما دفنه: "إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك". وقال الصادق (عليه السلام): "كل الجزع والبكاء مكروه، إلا الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام)".

       إذًا الحزن على فرقة من نحب جائز، بل مندوب، حثنا الشارع على إظهاره في المآتم، وكذلك البكاء؛ فقال الصادق (عليه السلام): "اللهم إني أعوذ بك من عين لا تدمع، وقلب لا يخشع". وحسبك بكاء يعقوب على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، وكان بكاؤه لفقدان ولده وليس لموته. فالحزن والبكاء تعبير عن رحمة لا ينبغي أن يخلو قلب المؤمن منها، كيف ذلك وقد بعث الله نبيه لذلك؛ فقال تعالى: >وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ< الأنبياء، 107.

       نعم لا ينبغي إظهار الجزع الذي يعبر عن عدم الرضا بالموت، والاعتراض على هذا القضاء، فإن ذلك خلاف الإيمان وما ابتنى عليه الإسلام، وقد روي أن عزرائيل (عليه السلام) قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا محمد! إني أقبض روح ابن آدم، فيجزع أهله، فأقوم في ناحية من دارهم، فأقول: ما هذا الجزع؟! فوالله ما تعجلناه قبل أجله! وما كان لنا في قبضه من ذنب، فإن تحتسبوه تؤجروا، وإن تجزعوا تأثموا وتوزروا. واعملوا أن لي فيكم عودة ثم عودة، فالحذر الحذر، إنه ليس في شرقها ولا في غربها أهلَ بيت مدر ولا وبر، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، ولأنا أعلم بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم ، ولو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليها حتى يأمرني ربي بها". قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما يتصفحهم في مواقيت الصلاة، فإن كان ممن يواظب عليها عند مواقيتها، لقنه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونحّى عنه ملكُ الموت إبليسَ".

       إذًا نرى أن عزرائيل (عليه السلام) يعجب من جزع الناس حين قبض أحدهم، وكأنهم لم يرتقبوا هذا اليوم، وكأنهم لم ينبهوا إليه، ويحذروا منه. وكأنه سلب منهم شيء لهم؟! أوَليست الروح أمانة استودعناها الله ليستردها ساعة ما يشاء، وسيجازينا على حسن وسوء رعايتها؟! وهل يرضى أحدنا أن يستودع غرضا عند صاحبه، ثم إذا جاء ليسترده اعترض الودعي على استردادها؟!

       وما أحلى ما قاله إمامنا الصادق (عليه السلام) حينما جاءه رجل من مواليه وكان حزينا، فقال له الإمام: ما لي أراك حزينا؟ فقال الرجل: كان لي ابنٌ قرةُ عين فمات، فتمثل الإمام قائلا:

عطيته إذا أعطى سرور                          وإن أخذ الذي أعطى أثابا

فأيُّ النعمتين أحق شكرا                         وأحمد عند منقلب إيابا

أنعمته التي أهدت سرورا                        أم الأخرى التي ادخرت ثوابا؟

بل الأخرى وإن نزلت بكره                  أعمُّ لصابر فيه احتسابا

       وهكذا نأتي على ختام حديث الموت، لنقول: إن الموت حق، لا ينبغي نسيانه فيغرَنا الأملُ بالبقاء ليلهينا عن الغاية من وجودنا، وأنا لم نخلق عبثا، وأنا لله وأنا إليه راجعون، فيدخعنا الأمل في شبابنا موسوسا: دعك من ذكر الموت، وهذه الأفكار السوداء، فما زلت في ريعان شبابك، عش حياتك، وحينما تشيخ تتفرغ للعبادة والأعمال الصالحة. وإذا شخنا حدثنا بحديث آخر، فيقول: استعدادك للموت مبكر، اصبر حتى تفرغ من بناء دارك، وتزوج أولادك، وترى أحفادك... وهذا ما نبه عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: "إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتباع الهوى، وطول الأمل؛ فأما اتباع الهوى، فيصد عن الحق، وأما طول الأمل، فينسي الآخرة".  وفيما روي عنه (عليه السلام) في تأويل دقة الناقوس عندما مر براهب يضربه فقال لحارث الأعور: أتدري ما يقول هذا الناقوس؟ فقال : الله أعلم ورسوله وأنت يا أمير المؤمنين! فقال (عليه السلام):

حقا حقا حقا حقا صدقا صدقا صدقا صدقا  إن الدنيا قد غرتنا واستهوتنا و استلهتنا

لسنا ندري ما قدمنا إلا أنا قد فرطنا ما من يوم يمضي عنّا إلاّ أوهن منّا ركناً

 قد ضيّعنا داراً تبقى واستوطنّا داراً تفنى يا ابن الدنيا مهلا مهلا زن ما يأتي وزنا وزنا

       وإليك ما أوصى به جبرائيل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزى به، واعلم أن شرف المؤمن قيامُه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس". وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

ولدتك أمك يا بن آدم باكيا                 والناس كولك يضحكون سرورا

فاجهد لنفسك أن تكون                     إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا

          أسأل الله السميع العليم أن لا يخرجنا من هذه الدنيا إلا وهو راض عنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 صلاة الآيات

 الكبير الحفيظ

 الكُر والماء المطلق

 ذات عادة وقتية غير عددية لم تر الدم في وقتها

 العدالة

 علم وقدرة الله تعالى

 العزيز الجبّار

 جمادى الأولى

 المكان واللباس المغصوب

 نادتنا الأرض

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net