﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 مقام الشهادة 

القسم : محاضرات عاشورائية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 28   ||   القرّاء : 5982

عالم الخلق والأمر

          قال تعالى: >أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ< الأعراف 54. حينما نسمع كلمة الأمر، يتبادر إلى ذهننا أن المعنى الطلب المستعلي، ولكن ألا نتساءل: لماذا جعل الله الخلق في قبال الأمر؟

          الجواب: لو تأملنا في خلق الله تعالى، لوجدناه على قسمين: قسم غير قابل للارتقاء في سماء الكمالات؛ لأنه مخلوق على طبيعة قهرية ملازمة له، والآخر قابل لذلك. والأول يسمى عالم الخلق، والثاني عالم الأمر.

          فالملائكة من عالم الخلق والتكوين؛ حيث يلزم الملك حالة واحدة لا تطور فيها؛ إذ يخلقه الله في مقام، ويخلق معه كمالاته بحسب قابليته، فلا يتعداها بحسب ما أوتي من علم، فمنهم مخلوق في مقام الركوع فلا يرتقي إلى مقام السجود، ومنهم في مقام السجود لا يتقهقر إلى مقام الركوع. فهم "ركع لا يسجدون، سجّد لا يركعون". وقال تعالى: >وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ< الصافات 164.

          فهذا جبريل وميكال وعزرائيل وإسرافيل، كلهم ملائكة لا عقل لهم كعقولنا، وإنما لهم نحو من العلم يخولهم أن يكونوا في المقام المناسب لهم، فلا يأخذ أحدهم مقام الآخر.

          أما الإنسان، فهو من عالم الأمر، خُلِق من دون كمالات، وإنما خُلِقت معه قوة واستعداد لتكامل مذهل، فنراه يترقى من مقام النطفة النباتي، إلى مقام النبوة، إلى مقام الرسالة، إلى مقام الإمامة، إلى مقام > إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً< البقرة 30، وهو مقام الخلافة الكلية التي تستوطن الأرض، ولكنها خلافة الله في السماء والأرض.

          وهذا الحركة التكاملية ليست مطردة، فقد ينحدر الإنسان إلى الدرك الحيواني، بل إلى ما هو أسفل من ذلك إذا لم يحسن استثمار ما أوتي من نعم، قال تعالى: >وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ< الأعراف 179.

         

          ! وهنا نسأل: لو تُرك لنا الخيار في أن نكون من عالم الأمر كما نحن عليه، أو من عالم الخلق، ماذا نختار؟ وبعبارة أخرى: هل نختار أن نكون من عالم تنافس وترق، أم من عالم نجمد فيه على هيئة واحدة لا تكامل فيها؟

          لا شك أن العاقل لا يختار على ما اختاره الله له شيئا، ولا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. فإن الله أعزنا بعالم الأمر، حيث قال: >وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا< الإسراء 70.

          ! بعد أن اخترنا عالم الأمر، نسأل: هل لدينا المتسع من الوقت لنترقى في هذا العالم؟

          الجواب: لا! فإن فرصتنا هي عمرنا القصير، الذي ننشغل فيه بتحصيل قوتنا وقوت عيالنا، وتلهينا فيه أمراضنا وأحزاننا. من هنا جاء الحث على انتهاز الفرص؛ قال تعالى: >وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ< آل عمران 133. وقول الأمير (عليه السلام): "اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، وقوله: "اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل"... وقول العرفاء: "نحن نفضل يوما من أيام هذه الدنيا على ألف سنة من الآخرة!". إنما قصدوا اليوم الذي يتقربون فيه إلى الله، ويترقون فيه في عالم الكمالات، فإن خسارة يوم في الدنيا بالنسبة لهم، تعني خسارة درجة في الآخرة لا يمكن تداركها.

 

اختصار الطريق

          ولكن لما كان الله لطيفا بعباده، كريما يمتنع البخل عن ساحة رحمته، جعل لهم طريقا استثنائيا، ألا وهو الطريق الموصل إلى مقام الشهادة، الذي حباه الله أنبياءه وأولياءه؛ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما منا إلا مقتول أو مسموم". وبهذا المقام أصبحت سفينة الحسين (عليه السلام) الأسرع إلى الله تعالى، لماذا؟ لأن شراعها ملطخ بدم الشهادة، فانقلب جناح نور يطير بها إلى عز قدس الله.

 

كيف نصل إلى مقام الشهادة؟

          إن الطفرة من مقام المادة إلى مقام الشهادة الروحاني يحتاج إلى طاقة رهيبة تمكِّن الإنسان من التحرر من هذا السجن للقاء الله تعالى. هذه الطاقة مصدرها النظرة الإلهية الذي تجذب روح الشهيد إلى أرقى المراتب؛ فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الشهيد "ينظر إلى وجه الله، وإنها لراحة لكل نبي وشهيد".

          وإنما قلنا أعلى المراتب لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "فوق كل ذي برٍّ برٌّ، حتى يقتل المرء في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برٌّ". ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام الحسين (عليه السلام) حينما رآه في الرؤيا: "بأبي أنت، كأني أراك مرمَّلا بين عصابة من هذه الأمة، يرجون شفاعتي، ما لهم عند الله من خلاق. يا بني! إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك، وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة".

          وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) صاحب المقامات العاليات، حينما ضرب على رأسه الشريف، قال: "فزت ورب الكعبة". بأي شيء فزت يا سيدي وأنت قسيم الجنة والنار؟! إنها الشهادة.

          ولكن الوصول إلى هذا المقام لاستئهال النظرة الإلهية ليس بالأمر السهل، وإنما يحتاج منا إلى اتقاء الله في حلاله وحرامه، والإخلاص في عبادته، والتحلي بطيب الخلق، والتخلي عن سيئها، عسى أن يَحْبونا المولى بما حبا به أنبياءه وأولياءه، ويركبنا سفينة النجاة، فتشملنا > لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ< يونس 62.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 بيع وهبة الأعضاء

 المد اللازم الكلمي والحرفي

 سجود السهو

 الرجعة

 زيارة الإمام علي بن محمد الهادي النقي (عليهما السلام)

 المبدئ المعيد

 الكفن

 الاستعاذة

 المَلَكَة

 زيارة الإمام محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) يوم الثلاثاء

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net