﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 وصايا أمير المؤمنين  

القسم : محاضرات رمضانية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 29   ||   القرّاء : 6241

في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان، سنة أربعين للهجرة، استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن عمر ناهز الثالثة والستين، إثر ضربة على رأسه الشريف، أثناء سجوده لربه في محراب مسجد الكوفة، على يد أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم (عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). وفي هذه الليلة التي هي من أولى ليالي القدر، دعا الأمير ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) ليوصيهما في آخر ساعات حياته، فمما قاله: "أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا الحق وأعملا للأجر".

"أوصيكما بتقوى الله"، والتقوى في اللغة من الوقاية، وعند أهل الحقيقة: "تجنب عقوبة الله بطاعته". وهي نوعان: تقوى في الطاعات، وتقوى في المعاصي. أما التقوى في الطاعات، فهي تعني الإخلاص فيها بعيدا عن كل مراءات. وأما التقوى في المعاصي، فهي تعني عدم تعدي حدود الله، بل ترك ما اشتبه علينا من الإثم.

ثم قال: "وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما"

يعني لا تطلب الدنيا، ولا تهرول وراءها، حتى وإن أقبلت عليك، وإنما خذ منها ما يقضي حاجتك، ولا يعوزك للناس. لأن الدنيا كماء البحر، كلما شربت منه ازددت عطشا، وكما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "قليل يكفي خير من كثير يلهي". فما حاجة الإنسان فيما يزيد عن حاجته؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "من أصبح معافى في بدنه، مخلا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا". قال أمير المؤمنين: إنما الدنيا فناء ليس للدنيا ثبوت  إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت ولقد يكفيك فيها أيها الطالب قوت  ولعمري عن قريب كل من فيها يموت.

فإذا عرفت أن هذه الدنيا دار فناء، لا دار بقاء، وجب أن لا تأسف عليها، لأن المتاع الزائل لا يستحق أن تأسف عليه، فإنه إن لم يزل اليوم فإنه غدا لا محالة زائل.  

ثم قال (عليه السلام): "وقولا بالحق". سئل الإمام الصادق (عليه السلام): "يكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، قال: فيكون جبانا؟ قال: نعم، قال: فيكون كاذبا: قال: لا! ولا خائنا، ثم قال: يجبل المؤمن على كل طبيعة إلا الخيانة والكذب". والسر في ذلك -والله العالم- أن: "الكذب مفتاح لكل شر". وحسب تعبير الإمام العسكري (عليه السلام): "خطت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب". لماذا؟ لأن الذي يهون على السارق مثلا، أنه إذا ووجه أنكر، فالكذب مغر له بالسرقة، وإذا خان أحدا، أو استغابه، أو افترى عليه ببهتان... فالذي يشجعه على ذلك الكذب، لأنه يرى في الكذب خلاصه ونجاته من أي تهمة شر.

إلى هذه الدرجة من الخطورة اعتبر الكذب، وفي مقابله الصدق في ذروة الإيمان، وإن شئت قلت: الإيمان صدق؛ لأنه كما يسوغ الكذب فعل الشر، فالصدق رادع عن فعله، لأن الصادق لا يتجرأ على فعل حرام؛ حيث يعلم أنه إذا ووجه انفضح، لفرضنا أنه لا يكذب. ويختصر كلامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال في تعريفه الإيمان: "الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك، على الكذب حيث ينفعك".

ثم قال (عليه السلام): واعملا للأجر، فلا ينبغي أن يضيع المرء عمله بأن تكون نيته لغير الله تعالى، فما أصعب أن يعمل المرء طوال حياته، فيبذل المال للسمعة، من بناء المساجد، أو دفع التبرعات، أو حج بيت الله... فقط من أجل سمعته، وسيطه، ويظن أنه من أهل الجنة، فيتفاجأ يوم القيامة أنه من الخاسرين، فلا دنيا ولا آخرة؛ قال تعالى: > قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)< الكهف.

ومما روي في هذا الصدد قصة شهيد الحمار وهو أحد المسلمين الذي سعى في آخر المعركة وراء حمار ليغنمه، فقتله أحدهم، فلقب بشهيد الحمار، لأن آخر حركة له لم تكن في سبيل الله.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارىء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 الخلل في الجماعة

 الحب والغيرة وتعدد الزوجات

 بيان النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر

 اللطيف الخبير

 الذارئ الصانع

 المقيت الحسيب

 السبق والرماية

 زيارة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) يوم الثلاثاء

 البيع

 الحُب والبُغْض بين النبي والآل

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net