﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الغيرة بين الرجل والمرأة 

القسم : بحوث فقهية   ||   التاريخ : 2011 / 09 / 07   ||   القرّاء : 5389

تعريف الغيرة:

        قيل في الغيرة أنها: "نفرة طبيعية تكون عن بخل مشاركة الغير في أمر محبوب له"([1]). وقيل أيضا أنها: "كراهة شراكة الغير في حقه"([2]). فلو أردنا الجمع بين هذين التعريفين، لوجدنا أن الغيرة (نفرة طبيعية عن مشاركة الغير في حق من حقوقنا).

وإنما عُبِّر عنها بـ(الطبيعية) لعلاقتها الوطيدة بالأنا الإنسانية، وما يتفرع عنها من فطرة حب الذات، خصوصا أنها لا تكون إلا في حق الغيران، مما يجعلها تندرج في فطرة الحفاظ على المملوك من أي سلب. وبهذا أصل الغيرة إلى الغبطة أقرب منه إلى الحسد المذموم، فإن الأولى تعني: "أن يريد من النعمة لنفسه مثل ما لصاحبه، ولم يرد زوالها عنها"([3])، والحاسد: "يتولى زوال النعمة عن صاحبها، وإن لم يردها لنفسه"([4]).

 

غيرة الرجل:

        لما لم يكن بحثنا لغويا، نعيد تصويبه إلى هدفه الذي سيق إليه، وهو خصوص الغيرة بين الرجل والمرأة، لنعرف كيف وجَّه الشارع المقدس هذا الشعور الإنساني الطبيعي من جهة؟ وهل يصدق على الرجل والمرأة معًا أم أن الغيرة لا تكون إلا للرجل؟

        أقول: إن غيرة الرجل بمعناها الشمولي على عِرضه من النساء، والتي عدَّت أمارة من أمارات الإيمان كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "الغيرة من الإيمان"([5])، ليست فقط ما يصدر عن الحبيب الخاص، بل تشمل الغيرة على الأم والأخت والبنت والجارة، بل كل مسلمة في بقاع الأرض. من هنا كانت من الأنفة والحمية الداعيتين إلى صون ما قد يصيب المرأة من نظر أو لمس، فضلا عن غير ذلك مما يهتك الستر ويهدر العفة. ولما كانت الغيرة متعدية حدود ذاك الشعور الخاص الذي ينتاب الرجل تجاه معشوقته، كان رب العزة أعظم غيور، كما ورد في موثقة إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام): "إن الله غيور يحب كل غيور". ومرسلة عثمان بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام): "إن الله غيور يحب كل غيور، ومن غيرته حرَّم الفواحش ظاهرها وباطنها"([6]).

كما عدَّت الغيرة من أعظم خصال الأنبياء، كما في خبر محمّد بن عيسى بن عبيد، عن الرضا (عليه السلام) قال: "في الديك الأبيض خمس خصال من خصال الأنبياء (عليهم السلام): معرفته بأوقات الصلوات، والغيرة، والسخاء، والشجاعة، وكثرة الطروقة"([7]).

وقد استفاضت بل تواترت الأحاديث في مدح الغيرة هذه، وذم الدياثة البغيضة، حتى روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: "إن الجنة ليوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجدها عاق ولا ديوث"([8]).

وفي صحيحة أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أتي النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأسارى، فأمر بقتلهم وخلى رجلا من بينهم، فقال الرجل: كيف أطلقت عني؟ فقال: أخبرني جبرئيل عن الله أن فيك خمس خصال يحبّها الله ورسوله: الغيرة الشديدة على حرمك، والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان، والشجاعة. فلما سمعها الرجل أسلم وحسن إسلامه وقاتل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى استشهد"([9]).

        إذًا غيرة الرجل من المسلّمات الدينية بل الإيمانية المرغوبة والممدوحة. أما (غيرة) المرأة، فأمر آخر.

 

غيرة المرأة:

        لما كانت الغيرة (نفرة طبيعية عن مشاركة الغير في حق من حقوقنا)، ومن (الأنفة والحمية الداعيتين إلى صون ما قد يصيب المرأة من نظر أو لمس، فضلا عن غير ذلك مما يهتك الستر ويهدر العفة)، لم يكن للمرأة غيرة؛ لأن الرجل، وإن كان زوجَها، ليس حقًّا من حقوقها المختص بها وحدها، ولا عِرضَها الذي تخاف من هتك ستره أو هدر عفته.

فالحق كل الحق، أن ما تشعر به المرأة حيال الرجل ليس من الغيرة في شيء، وإنما هو الحسد في الغالب إن أرادت أن تختص بالرجل دون سواها من النساء، وهي الغبطة إن أرادته لها دون أن ترجو أو تسعى إلى انفكاك علقته بغيرها.

ولا تجحظ عيون النساء! ولا تنتفخ أوداجهن! فإن في جعبتنا من الروايات والمنطق السليم ما تقر به عيون المؤمنات، وتيأس منه المنكِرات.

منها: خبر عثمان بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "ليس الغيرة إلا للرجال، فأما النساء فإنما ذلك منهن حسد، والغيرة للرجال ولذلك حُرِّم على النساء إلا زوجها، وأُحِلَّ للرجل أربعا، فإن الله أكرم من أن يبتليهن بالغيرة ويحل للرجل معها ثلاثا"([10]).

وخبر جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "إن الله لم يجعل الغيرة للنساء، وإنما جعل الغيرة للرجال؛ لأن الله (عزّ وجلّ) قد أحل للرجل أربعة حرائر وما ملكت يمينه، ولم يجعل للمرأة إلا زوجها وحده، فإن بغت مع زوجها غيره كانت عند الله زانية، وإنما تغار المنكرات منهن، فأما المؤمنات فلا"([11]).

وخبر سعد بن أبي عمرو الجلاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إن الله (عزّ وجلّ) لم يجعل الغيرة للنساء، وإنما تغار المنكرات، فأما المؤمنات فلا، إنما جعل الله الغيرة للرجال؛ لأنه أحل للرجال أربعا وما ملكت يمينه، ولم يجعل للمرأة إلا زوجها، فإذا أرادت معه غيره كانت عند الله زانية"([12]).

إذًا نصَّت الروايات نصًّا واضحا على نفي الغيرة عن المرأة، ووصّفت ما تشعر به حيال الرجل، وما يشاع في المجتمعات على أنه غيرة، أنه الحسد لا غير، أو الغبطة في أحسن الأحوال على ما مر.

وأكثر من ذلك، فإن مفهوم هذه الروايات جميعا أن ادعاء الغيرة للمرأة يلزمه نسبة الظلم إلى الحق سبحانه؛ إذ كيف يبتليها بالغيرة، ويحل للرجل نكاح نساء أربع غير ما قد يصيب من المتعة وملك اليمين؟ فإن الله أكرم من فعل ذلك كما في خبر عثمان بن عيسى المتقدم.

نعم، لا ينكر الشاهد العرفي أن هذا الشعور المذموم موجود عند غالبية النساء، إلا أن هذا لا يعني أنه أمر فطري متأصل بالذات الإنسانية النسائية، اللهم إلا من جهة صلته بحب الذات الذي يدعو لحفظ الممتلكات الخاصة، وصون الحقوق المكتسبة، وهنا بيت القصيد الذي سنتناوله في المبحث التالي.

 

أثر التربية على غيرة المرأة:

نقول: إن سوء التربية، والخلل في التوجيه والإرشاد، والجهل بسيكولوجيا وفيزيولوجيا الرجل، وقبل كل ذلك ترك التفقّه في الدين، والتأثّر بمضامين الأفلام والمسلسلات والبرامج حديثا، كل هذه عوامل ساهمت في تأصل الحسد عند المرأة تجاه أية امرأة أخرى، حتى بات هذا الحسد يضاهي غيرة الرجل، وصار زواج الرجل الثاني خيانة، كما تعبِّر الكثير من النساء المسلمات، نقلا عن الأفلام والمسلسلات المصرية قديما وحديثا، والسورية والمكسيكية والتركية حديثا.

وليس حسد المرأة بالأمر المستحدث، وإن صار اليوم في أبشع صوره وأخطرها، حتى صدَّق الكثير من الرجال حقانية المرأة في زوجها، واختصاصها به، دون الالتفات إلى ما يلزم من ذلك من تهمة الحق سبحانه في حكمته، وما يعتمل في قلوب النساء ويظهر على ألسنتهم من ادعاء المظلومية في تشريع الزواج المتعدد أو المتعة للرجل، ناسين أو متناسين أن المشرِّع هو الخالق الأعلم بحاجات العباد، حتى تحوَّلت بعض النساء إلى مجتهدات يوجِّهن أحكام الله (جل وعلا)، فحقّ قوله تعالى: >وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا<(13).

(المتعة لمورد خاص)، تقول أخواتي المسلمات، كما لو كانت الزوجة مريضة مثلا، والزواج المتعدد كذلك لموارد خاصة، متبرعات بحالات معينة لا تتواجد لديهن كي يحفظن رؤوسهن هن، وإن طارت رؤوس الأخريات. ثم تعثر على المبررات الكثيرة التي تبيح لها الزواج من رجل متزوج، رغم أنها هي نفسها من أستنكرت (خيانة) جارها لجارتها الصديقة، وشجعتها على طلب الطلاق، لما في زواجه الثاني من إهانة عظمى لها يندى لها الجبين، وترتعد لها الفرائص!

إذًا، الغيرة الحسدية التي تعتبرها الكثيرات أنها من المكونات الفطرية لنفسية المرأة ناتجة عن سوء التربية والتوجيه فيما يتعلق بحقها الذي يقف عند حق الرجل وغيرها من النساء.

أما حق الرجل، فقد أوضحته الشريعة التي أجازت له الزواج المتعدد والمؤقت. وأما حق غير الغيرانة من النساء، فهي أن يكون لها رجل كما لدى الغيرانة، فإن ذروة الأنانية أن تحصل على زوج غير عابئة بمصير أرتال النساء العزباوات والمتضاعفة كل يوم.

وكأني بها تقول: آمنت بأن من حق المرأة أن يكون لها رجل، ولكن لماذا رَجُلي أنا بالذات؟! وهذا ما يأخذنا إلى مبحث تعدد الزوجات.

 


([1]) مجمع البحرين ج3، ص346.

([2]) التعريفات، ص165.

([3]) مجمع البحرين ج1، ص507.

([4])مجمع البحرين ج1، ص507.

([5]) وسائل الشيعة ج20، ص154.

([6]) وسائل الشيعة ج20، ص153.

([7]) وسائل الشيعة ج4، ص113.

([8])وسائل الشيعة ج20، ص154.

([9]) وسائل الشيعة ج20، ص 155.

([10])  وسائل الشيعة ج20، ص 152.

([11])  وسائل الشيعة ج20، ص 154.

([12])  وسائل الشيعة ج20، ص155.

([13]) سورة الكهف، الآية54.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 عمليات التجميل

 المبحث الخامس عشر: النـزاع في المشتق مرتبط بالاستعمال

 زيارة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) المعروفة بزيارة وارث

 التقليد

 ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس

 المعزّ المذلّ

 الجن والأرواح

 مشاهدة الأفلام والمسلسلات

 الدليلان السمعيان على وجوب المعرفة

 التحقيق والحدر والتدوير

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net