﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الشعور بالحب فطريته وشرعيته 

القسم : بحوث فقهية   ||   التاريخ : 2011 / 06 / 11   ||   القرّاء : 6065

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله المظلومين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وبعد..

تعريف الحب:

        عرّف اللغويون الحب، بأنه خلاف البغض، دون أن يسترسلوا في شرحه؛ لكثرة وقوعه من جهة، ولبداهة تصوُّره من جهة أخرى، حتى كاد أن يكون بمنزلة الوجود الذي كلّما حاولنا تعريفه ازداد خفاءً.

        والحب بهذا المعنى يشمل كل مظاهر الود التي تتعلق بالأمهات، والآباء، والإخوة، والأولاد، والأصدقاء... إلا أن الحبَّ محلَّ بحثنا، هو ذاك الشعور الخاص الذي يعتري الرجل والمرأة، والمختلط بالانجذاب الجنسي بدرجات متفاوتة على قدر ما يملك أحد طرفي الحب من خصائص تثير مراكز الحس لدى الطرف الآخر، وتستفز مخيّلته، وتعبث بهرموناته، وتقلب كيانه، فضلا عن توفّر المحفزات الأخرى من قبيل سماع الصوت بوتيرة معينة، والنظر، واللمس، والشم... وكذلك الظروف المساعدة على اكتمال منظومة الإثارة، كالاختلاء، والاقتراب، والمغازلة...

ولعل هذه الآثار المذكورة هي أقوى معرِّف، وأبيَن أَمارة على وجود الحب. وهي وإن كانت أَمارات باطنية، إلا أنها كثيرة هي العلامات التي تفضحها وتكشف لثامها. من هذه العلامات: تدفّق الطاقة في الجسد، واتساع حدقتي العين، وازدياد خفقان القلب، واحمرار الوجه، وارتعاش اليدين، والتعرّق...

        والجدير بالذكر أنه لما كان خفقان القلب العلامة الأقوى والأبرز للحب، ظن الكثيرون أن عضلة القلب هي مركز الحب. والحق أن مركز الحب، أو فلنقل مُنطلَقه العضوي، هو الدماغ الذي يؤذن بحالة الحب المتولدة في النفس بتدفق دموي غزير وغني بالأكسجين إلى مناطق فيه مسؤولةٍ عن المشاعر الإيجابية في الجزء الأيسر منه. كما يرسل إشارات عصبية على امتداد الجسد، حتى يضج بتلك العلامات التي تخرج الإنسان عن حد الاعتدال.

الشعور بالحب فطريٌّ وشرعيٌّ:

        الحب بمعنى الانجذاب الخاص بين الرجل والمرأة، إحساس فطري لا يحتاج إلى الكسب. وإنما ينمو وينضج مع الإنسان، ويشتد ويضعف بفعل عوامل كثيرة: تربوية، وأخلاقية، واجتماعية، إلا أن أصل توطّنه في نفس الإنسان فطري. ويدل على ذلك الواقع الخارجي الذي يشهد على حالات الحب مرة في الصحراء بين عنتر وعبلة، وأخرى في أرقى المدن الإيطالية (فيرونا) بين روميو وجولييت.

        ويؤيد هذا الدليل الوجداني على فطرية الحب، حسنة زرارة بن أعيَن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إن الله (عزّ وجلّ) خلق آدم من طين ثم ابتدع له حواء فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل، فقال آدم: يا ربّ، ما هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه والنظر إليه؟! فقال الله: يا آدم، هذه أمتي حوّاء، أفتحبّ أن تكون معك تؤنسك وتحدثك، تكون تبعا لأمرك؟ فقال: نعم يا ربّ، ولك بذلك عليّ الحمد والشكر ما بقيت، فقال الله (عزّ وجلّ): فاخطبها إليّ، فإنّها أمتي، وقد تصلح لك أيضا زوجة للشهوة. وألقى الله عليه الشهوة وقد علمه قبل ذلك المعرفة بكل شيء، فقال: يا ربّ، فإنّي أخطبها إليك، فما رضاك لذلك؟ فقال الله (عزّ وجلّ): رضاي أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك عليّ يا رب إن شئت ذلك لي، فقال الله (عزّ وجلّ): وقد شئت ذلك، وقد زوّجتكها فضمها إليك"(1).

        هذه الرواية بدلالتها الواضحة، لا تترك مجالا للشك في أن الحب المتجسد بأُنس أبينا آدم (عليه السلام) بقرب أمّنا حواء (عليها السلام)، والنظر إليها، واستحسانه خلقها، وما نصت عليه من إلقاء الحق سبحانه الشهوة في نفسه (عليه السلام)، وتعليمه قبل ذلك ما يحتاجه لممارستها، كل ذلك بيان جليّ على فطرية الحب.

        كما أن إلقاء الشهوة من لدنه تعالى يدل بوضوح على تأصُّلها، وطبيعيّة الميل الجنسي بين الرجل والمرأة. وأكثر من ذلك، فإن إلقاءها قبل الخطبة يدل على أصل حُسنها، ودخالتها المباشرة باختيار الشريك، وعدم ارتباط نشأتها بل حتى الشعور بها بالعقد الشرعي. وإنما دور هذا العقد تسويغ إفراغ هذه المشاعر في قالبها التفاعلي خارجا.

أما أصل الشعور بالحب، بقطع النظر عن ممارسته قولا وفعلا وتعمّد توفير عوامله المحفزة وكون المحبوب ممن يجوز الزواج منه أم لا، فهو أمر قهري لا حرمة فيه، شأنه شأن كل شعور فطري. قال تعالى: >وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ<(2). وإلا فإن تحريم ما لا قدرة لنا على منعه واتقائه منافٍ لاستقباح العقل التكليف بما لا يطاق، ولما جاء في حديث رفع العقاب عن ما لا يطيق الإنسان (3).

وأبعد من ذلك، فإن الشاهد العرفي، والمحقق، يعرفان أن الشعور بالحب الذي تشكل الشهوة الجنسية لازما ذاتيا له، أمر محبوب للشارع المقدس، إن لم يكن في نفسه، فلِما فيه من إغراء بالزواج لحفظ النوع الإنساني. قال تعالى: >زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ<(4). فبعد ثبوت فطرية الحب، بل تزيينه للمكلفين، ينتفي بالضرورة القول بحرمته، وإلا لزم إغراء المكلفين بالحرام، وهو محال.

        نعم، لا يخفى أن الشهوة لم تكن العامل الوحيد في اختيار الخطيبة، لذا ذكر الحق سبحانه عوامل أخرى في قوله: " أفتحبّ أن تكون معك تؤنسك وتحدثك، تكون تبعا لأمرك؟"، فالأنس، وهو شعور بالارتياح ينتاب الإنسان، عاملٌ أساسي في هذه المعادلة العاطفية. أما الرغبة بالمحادثة، فهي كناية عن انسجام فكري ينعكس في تبادل أطراف الكلام. وأما التبعية، فهي مظهر الطاعة، التي يتحتم وجودها في كل حركة جماعية تتوخى السير نظاميًّا لتحقيق أهداف معينة.

وأما وقوع ذلك كله في الرواية قبل إلقاء الشهوة، فهو واضح في الإشارة إلى كون هذه الأمور الأساس المتين لهذه العُلقة، وضمان استمراريتها، أو على الأقل إرشاد إلى ضرورة أن تكون كذلك، فإن الشهوة الجنسية رغم كونها دخيلة أساسية في هذا المضمار، إلا أن آنيتها لا تخوّلها أن تكون عماد ارتباط طويل. ومن هنا لم يدر الزواج مدارها ثبوتا ونفيا، وإلا لانفرطت كل الزيجات بعد سنوات قليلة حينما يبرد الشغف ويتخشّب اللهف، وإنما جُعلت السكينة والمودة والرحمة فسطاط بيت الزوجية من زوابع الملل، وسُرادقه من صواعق اللامبالاة. قال تعالى: >وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ<(5).

 

 



(1) وسائل الشيعة ج20، ص13.

(2) سورة الأنفال، الآية 63.

(3)  صحيحة حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رُفِع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة". وسائل الشيعة ج15، ص369.

(4) سورة آل عمران، الآية 14.

(5) سورة الروم، الآية 21.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 كفارة ومتفرقات اليمين والعهد

 العدل 1

 التحريم بالزنا والعقد ووطء الشبهة

 صوم المجنب

 متفرقات صلاة الجماعة

 رد الشمس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

 كَبُرْتُ اليوم

 نزاهة آباء النبي وأمهاته عن الدناءة والكفر

 غسل الميت بجبيرة ومن لا نتمكن من غسله

 خمس الموروث

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net