﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 العدل الإلهي 

القسم : التوحيد والعدل   ||   التاريخ : 2011 / 03 / 05   ||   القرّاء : 5335

العدل (1):

    ← العَدْلُ: "هو تَنْـزيه الواجب عن فِعْلِ القبيح والإخلال بالواجب" . ولهذا يتوقّف إثباتُ العدل على معرفة الحُسْن والقُبْح العقليّين.
    » الحُسْنُ: "ما يَستَحِقُّ فاعِلُه على فِعْلِهِ المدحَ عاجِلا مِن العُقَلاء والثوابَ آجِلا مِن الواجب".
    » القُبْحُ: "ما يَستحِقُّ فاعِلُه على فِعْلِهِ الذمَّ عاجِلا مِن العُقَلاء والعِقَابَ آجِلا مِن الواجب".

    ← موارد العدل:

    » العدل التكوينيّ: "هو إعطاؤه تعالى كلّ موجود ما يستحقّه ويليق به من الوجود" .
    » العدل التشريعيّ: "أنّه لا يُهمِل تكليفا فيه كمال الإنسان وسعادته، وقِوام حياته الماديّة والمعنويّة ، الدنيويّة والأخرويّة ، كما إنّه لا يكلِّف نفسا إلا وسعها" .
    » العدل الجزائيّ: "أنّه لا يساوي بين المصلح والمفسد، بل يجزي كلّ إنسان بما كسب ، ولا يعاقب عبدا إلا بعد الإبلاغ والبيان (2)" .

     وبعد هذا البيان نقول : يستحيل على الواجب فعلُ القبيح لوجود الصَّارف عنه ، وانعدام الداعي إليه . والصَّارف عنه هو القبح الذي يعْلمه الواجب، والداعي إليه إمّا الحِكمةُ الموجودة فيه، وهو باطل لأنّ القبيح لا حِكمة فيه ، وإمّا الحاجةُ إليه، وهو عليه محال لأنّه غيرُ محتاج لِمَا تَقَدَّمَ مِن أنّ الاحتياجَ إمكان.

     ونزيد أنّه لو كان يفعل الظلم والقبح ، فإنّ الأمر لا يخلو من أربع صُوَر :
     1- " أن يكون جاهلا بالأمر ، فلا يدري أنّه قبيح . وهذا باطل لِما مرَّ في دليل وجوب علمه بكلِّ معلوم مطلقا .
     2- أن يكون عالما به ، لكنَّه مجبور على فعله ، وعاجز عن تركه . وهذا أيضا باطل لِما مرّ في مبحث القدرة بأنّه قادر مختار .
     3- أن يكون عالما به ، وغير مجبور عليه ، ولكنّه محتاج إلى فعله . وهو باطل لأنّ الاحتياج ينافي الوجوب ، ويُسَاوِق الإمكان .
     4- أن يكون عالما به ، وغير مجبور عليه ، ولا يحتاج إليه ، فينحصر في أن يكون فعله للقبيح تَشَهِّيًا وعبثا ولهوا (3).

      وهذا باطل لمخالفته الحِكمة (4) التي أثبتناها مع العلم " ؛ فإنّ العابث لا يفعل الأفعال المُتْقَنَة .ولمّا تبيّن أنّ الواجبَ مُنَـزَّهٌ عن فِعل القبيح ثبت له العدل لأنَّه عينُ هذا التنـزيه .

 شبهات وردود :

     ← أوّلاً : " لماذا لم يخلق الله الحكيمُ العادلُ المخلوقاتِ على صورة متساوية ؟
     الردّ : إنّ نظام الوجود المترابط يفرض هذا التغاير وإلا لم يتحقّق الخلق ؛ فلو كان كلّ أفراد البشر رجالا ، أو نساءً ، لما تحقّق التناسل ولانْقرض النّوع الإنسانيّ .ولو كانت المخلوقات جميعا من نوع الإنسان لما وَجَدَت شيئا للغذاء .
     ولو اتّحد شكلُ الحيوانات والنباتات لما وُجِدَت كلّ هذه الفوائد التي لا تُحصى . وهكذا تبيّنت الحِكمة في اختلاف صور المخلوقات " (5).

     ويبقى أن نشير إلى الفرق بين المساواة و العدل :
     فالمساواة تعني أن يُعطى كلُّ إنسان -مثلا- بمقدار ما يُعطى الآخر ، وهذا غير متحقِّق بالوِجْدَان ؛ لِمَا تراه في اختلاف المستوى الجماليّ بين الناس ، وكذلك الماديّ والاجتماعيّ ... ولكن هذا لا يؤثّر على صفة العدل في الواجب ؛ لأنّ العدل وضعٌ للشيء في موضعه بما يتناسب مع الحِكمة الواجبة للواجب ، فالكلام إذن من رأس ؛ فمن يقول إنّ العدل والحِكمة المُسَاوِقَةَ له تقتضي جعل زَيد وعَمرو بمستوى ماديّ واحد ؟ فقد يُسِيءُ عَمرو استخدامَ الأموال التي استُودِعت عنده فينحرف أو يظلم بها أحدا ... ؛ ﴿ ولو بَسَطَ الله ُالرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لبَغَوا في الأرضِ ولكنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشَاءُ إنّه بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (6).

     كما أنّك في كثير من الأحيان لو تأمّلت مجموع ما عند زَيد ، ومجموع ما عند عَمرو ، لوجدت أنّ في قِبال ما يزيد المستوى الماديّ عند زَيد ، هناك زيادة عند عَمرو ولكن من جهة الصحّة الجسمانيّة التي تقلّ عند نظيره . ولو امتلك زَيد الاطمئنان الاجتماعيّ ، لوَجَدْتَ عَمْرًا يتمتّع بدرجة علميّة تفوق التي عند زَيد وهكذا . وإن رَجَحَت كلُّ المستويات عند زَيد ، لم يُعَاملِْهُمَا الله ُ تعالى بنفس المِقْيَاس ؛ فإن أقام زَيْـدٌ صلاة الصبح مثلا وهـو مَيْسُور ماديّا ، ينام على ريش نَعَام ، ولديه خادم يوقظه وقت الصلاة ، ويجعل ماء الوضوء الدافئ بين يديه ، هـذه الصلاة لن توزَن بنفس مِعْيَار زِنَة صلاة عمرو الفقير ، الكادح طِوال النهار لتأمين قوت عِيَاله ، والذي اتّخـذ الأرضَ فراشَه والتَحَفَ سَقْفَ بيته ، فلا رَيْبَ أنّ أجر صلاته ضِعْفُ أجْرِ صلاة زَيد ، والأجْرُ على قدر المشقّة .

      وهكذا يتبيّن لنا أنّ النظر المحدود في جهة واحدة ، لا يعطي حُكما عادلا ؛ إذ الأمر يحتاج إلى كشفٍ للوحة الوجود كاملة .

     ولقائل أن يقول : ولكنّ الواقع يكشف عن أنّ الواجب قد مدّ الكثير من الظالمين والطّواغيت بالقوّة فبغَوا في الأرض وعَتَوا عُتُوًّا كبيرا ، فأين العدلُ في تسليطهم على المستضعفين ؟

     الجواب : إنّ الظالم الذي مدّه الواجب بالقوّة قد استخدم قوّته في ظلم النّاس وهو مخيّر في ذلك ، ولكنّ الواجب استودع في المستضعفين قوّة معادلة بل زائدة تتمكّن من مواجهة هذا الظلم ولو بالاتّحاد . وعلى كلّ حال إن رَجَحَت قوّته عليهم مجتمعين كان ذلك بلاءً -أي اختبارا- لِصَبْرِهِم وتحمّلهم لقضائه وقدره . وهذا البلاء لا رَيْبَ
     أنّه ينطوي على حِكمة قد ندركها أو لا . كما لا بدّ من النظر إلى هذه الدنيا كمَعْبَر لا استقرار فيه ؛ فلو عاش الإنسان مِنّا بؤسًا وشقاءً طِوال حياته ، لايَعُدُّ ذلك ظلما إذا علم أنّ بانتظاره أجْرا بمستوى تَعَبِه بل يضاعفه . فإنّ الذي يطلب حبيبته يمشي من أجلها الأميال الشائكة الحامية حافيا وهو يلاقي الرزايا بِبَشَاشَةٍ واطمِئْنَان راسخَين ، غيرَ مكترث للسِّباع والضِّباع التي قد تنال منه ، ذلك لأنّ مَسْعَاه عاقبتُه سَتُنْسِيه ما اعْتَرَاه ، وتعوِّضه ما أصابه ، بل تراه يتمنّى إعادة الكرّة لِمَا لاقاه من الحبيب . وحَسْبُكَ ما يصيب الأمّ في آلام المَخَاض حيث يصير الموت منها قابَ قوسَين أو أدنى ، فإنّ كل ّ هذه الآلام تذوب حبًّا لِوَلَدِها ، ولا يثنيها عن الإنجاب ثانيًا بل عاشرًا .

      نعود إلى ذلك الظالم الذي يشغل بالك ، ألا تفتح له صدرك الآن ، وتكشف له لِثامك لتواجهه ، ولا تأبى إن وقعتَ على الموتِ أو وقع الموتُ عليك،طالما أنّ المعشوق -وهو الواجب- بكلتا الحالتين سيوفّيك نصيبك مضاعَفا ؟ 

     ← ثانيا : " إذا كانت الحِكمة الإلهيّة مقتضية لحياة الإنسان في هذا العالم ، إذن لماذا بعد ذلك يميته وينهي حياته ؟
الرّدود :
     » إذا لم تَمُت الموجودات الحيّة ، فلن تتوفّر الأرضيّة لوجود الموجودات اللاحقة ، وبذلك يُحرَم الآتون من نعمة الوجود والحياة . 
     » إذا افترضنا استمراريّة الحياة للبشر جميعا فحسب ، فلن يمضيَ زمانٌ طويل إلا ونرى الأرض كلّها قد امتلأت بالناس ، وتضيق عليهم الأرض برحبها ، ليتمنّى كلُّ واحد منهم الموتَ لما يشعر به من عذاب وألم وجوع .

     » إنّ الهدف الأصلي من خلق الإنسان ، هو الوصول إلى السعادة الأبدّية ، وإذا لم ينتقل الناس من هذا العالم بالموت (7) إلى الحياة الأخرى ، فلن يمكنهم الوصولَ لذلك الهدف النهائيّ " (8).

     ← ثالثا : " إنّ وجود كلّ هذه المصائب والأمراض والكوارث الطبيعيّة ( أمثال السَّيْل والزَّلزَلة ) والمتاعب الاجتماعيّة ( أمثال الحروب وألوان الظلم المختلفة ) كيف يتلاءم هذا كلّه مع العدل الإلهيّ ؟
     الرّدود :
     » إنّ الحوادث الطبيعيّة المؤلمة ملازمة لأفعال العوامل الماديّة وانفعالاتها وتَصَادُمِها والتّزاحم بينها ، وبما أنّ خيرات هذه العوامل أكثر من شرورها ، لذلك لا تكون مخالفة للحِكمة . وكذلك ظهور المتاعب والمفاسد الاجتماعيّة ممّا تقتضيها اختياريّة الإنسان ، هذه الاختياريّة التي تقتضيها الحِكمة الإلهيّة . ولكنّ الملاحَظ أنّ فوائد الحياة الاجتماعيّة وإيجابيّاتها أكثر من مفاسدها ، ولو كانت المفاسد هي الأكثر لَمَا بقيَ الناس على وجه الأرض .

     » إنّ وجود هذه المتاعب والكوارث والمصائب تدفع الإنسان -من جهة- إلى البحث عن افتضاض أسرار الطبيعة والكشف عنها ، وبذلك تظهر الثقافات والاكتشافات والصناعات المختلفة . ومن جهة أخرى فإنّ خَوْض هذه المتاعب ومواجهتها وعلاجها ، له دور كبير في تنمية الطاقات والاستعدادات ورُشْدِها وتفجيرها ، وفي تكامل   الإنسان ورقيّه وتقدّمه .

     وأخيرًا فإنّ تحمّل أيّة مصيبة أو ألم ، والصبر عليه ، إذا كان لتحمّله ما يبرّره من مبرّرات صحيحة ومشروعة ، سوف يكون له الثواب الجزيل في العالم الأبديّ ، وسوف يُجْبَرُ بصورة أفضل " (9).

     ← رابعا : " كيف يتلاءم العذاب الأبديّ للذنوب المحدودة والمؤقّتة ، والتي يرتكبها المذنبون في هذا العالم ، مع العدل الإلهيّ ؟ 
الرّد :
      ... إنّنا نلاحظ في عالم الدنيا ، أنّ هناك بعضَ الجرائم ، التي يتعقّبها آثار سيّئة تمتدّ إلى مدّة طويلة ، رغم قِصَر مدّة الجريمة ؛ فمثلا لو فَقَأ الإنسان عينَهُ أو عينَ آخر فأعماها ، فإنّ هذا الفعل يتمّ في مدّة قصيرة جدًّا ، ولكنّ نتيجته -وهي العمى- تمتدّ إلى نهاية العمر . وكذلك الذنوب الكبيرة (10) لها آثارها الأخرويّة الأبديّة ، وإذا لم يوفِّر الإنسان في هذه الدنيا مُستلزَمات جُبرانها -كالتوبة مثلا- ، فإنّه سوف يعيش آثارها السيّئة وإلى الأبد (11). فكما أنّ بقاء عمى الإنسان إلى نهاية العمر بجريمة لم تستغرق إلا لحظة واحدة لا ينافي العدل الإلهيّ (12)، كذلك الابتلاء بالعذاب الأبديّ نتيجة لارتكاب الذنوب الكبيرة لا ينافي العدل الإلهيّ ، وذلك لأنّه (13) نتيجة الذنب الذي ارتُكِبَ عن سابق وَعْي وإصرار " (14).

_____________________

(1) العدل من الصفات الثبوتيّة الكماليّة ، وانفردت هذه الصفة في مبحث مستقلّ لخلاف متكلّمي المسلمين حولها ؛ ومنشأ هذا الخلاف مفهومُهم للحُسن والقُبح ؛ فالعدليّة – وهما الإماميّة والمعتزلة – يقولون : إنّهما عقليّان ، والأشاعرة يقولون : ليس للعقل إدراكُ الحُسن والقُبح ؛ فالمدار هو الواجب ؛ أي إنّ الحَسَنَ ماحَسَّنَهُ الشّارع ، والقبيح ما قبَّحه ، فلا ضير عندهم أن يُدخِل الله ُتعالى المؤمنَ النار ، والكافرَ الجنّة ، بحجّة أنّه لا يُسْأل عمّا يفعل كما جاء في الآية : ﴿لا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ﴾ سورة الأنبياء الآية : 23 . 
(2) وهذا ما دلّت عليه القاعدة العقليّة القائلة بـ" قبح العقاب بلا بيان " .
(3) جاءت هذه الفرضيّات في كتاب " عقائد الإماميّة " صفحة 65 / ط . دار الصّفوة .

(4) ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ سورة الأنبياء الآية : 16 .
(5) دروس في العقيدة الإسلاميّة  (بتصرّف) ج 1 : 194-195 / ط . دار الحق .
(6) سورة الشّورى الآية : 27 .
(7) أو بأيِّ سبيل آخر .
(8) دروس في العقيدة الإسلاميّة  ج 1 : 195 .

(9) دروس في العقيدة الإسلاميّة  ج 1 : 196 / ط . دار الحق .
(10) من قَبيل الشِّرك بالله تعالى .
(11) إذن العقاب لا يقاس بالمدّة التي استغرقتها الجريمة ، بل بدرجة عِظَمها وخطرها .
(12) لأنّه فعلها بملء إرادته وتصميمه .
(13) أي العذاب الأبديّ .
 (14) دروس في العقيدة الإسلاميّة  ج 1 : 196-197 / ط . دار الحق .



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 ذات عادة وقتية غير عددية رأت الدم في وقتها

 شبهات حول خلق الإنسان من القرآن الكريم

 الإخفاء الحقيقي

 لما يخاف منه ويكره

 الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)

 صفر

 أحكام الفسخ وارتداد أحد الزوجين

 الحيّ القيّوم

 ليلة القدر

 تعدد المتنجسات

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net