﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) 

القسم : محاضرات رمضانية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 29   ||   القرّاء : 5650

          بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وخاتم النبيين أبي القاسم ياسين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجميعن إلى أن يشاء رب العالمين، وبعد..

          يصادف اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك ذكرى وفاة أم المؤمنين السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) عليها. وذلك في العام الثالث قبل الهجرة.

          والحديث عن السيدة خديجة يعني الحديث عن المرأة التي يدين لها أكثر من مليار ونصف مسلم بإسلامهم، ولا عجب في قولنا هذا وقد قال في حقها النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما قام ولا استقام ديني إلا بشيئين: مال خديجة، وسيف علي بن أبي طالب". وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة". وحسبها أن تكون فُضلى زوجات سيد الأنام، وأم سيدة النساء، وراعية أفضل الأوصياء عليّ (عليه السلام)؛ حيث ربته وهو ابن ست سنين حتى جاء الإسلام، وهي أولى النساء إيمانا. كل هذا أكسبها منزلة يغبطها عليها نساء الأرض وحوريات السماء.

          نسبها:

          السيدة بنت عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عمته أيضا، فجدها لأبيها هو قصي، الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجدها لأمها هو لؤي، الجد الثامن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. ونسبها الشريف هذا يفسر تدين أسرتها بحنفية إبراهيم الخليل (عليه السلام).

          لقبها:

          كانت تعرف بسيدة النسوان، أو سيدة قريش، نظرا لقوة شخصيتها، وحسن سمعتها، وعلو نسبها وذكائها وغناها.

          تجارتها:

          كانت السيدة خديجة مديرة أعمال ناجحة، إذ كانت تستأجر المضاربين على حصة من الربح، ولم يذكر التاريخ أنها تعاملت بالربا قط.

          تنبؤات:

          كان ابن عمها ورقة بن نوفل من كبار المفكرين العرب، وكان قد اعتنق المسيحية حتى صار قسيسا، وكان قد قرأ الكتب السماوية، وفيها صفات النبي الخاتم الذي سيتزوج سيدة من قريش، فكان يقول لبنت عمه: "يا خديجة! سوف تتصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض والسماء". وقد رأت بدورها بعد لقائها بالنبي أن القمر يسقط من السماء بجانبها، ثم ينقسم إلى سبعة أقسام، فلما أخبرت ابن عمها ورقة بذلك، قال: "سيتزوجك نبي آخر الزمان، وتنجبين منه سبعة أولاد".

          تجارتها الأولى مع النبي:

          كان الرجال ينتظرون رحلة الشام التجارية ليظفروا بالمضاربة عند سيدة قريش، لكنها لم يكن يشغل بالها إلا المشهور بالصدق والأمانة، فبعثت وراءه وعرضت عليه حصة من الربح أكثر من التي كانت تعطيها لسابقيه، فرضي النبي، ثم طلبت أن يأخذ معه عبدها ميسرة ليتولى رعايته، فرضي (صلى الله عليه وآله وسلم). وهكذا ظلت السيدة مترقبة لرجوع النبي، وبينما هي كذلك، إذا بها ترى راكبا على يمينه ملك مسلطٌ سيفه، وفوقه سحابة معلق عليها قنديل من زبرجد، وحوله قبة من ياقوتة حمراء، فظنته ملكا جاء لخطبتها، فإذا به محمد بن عبد الله.

          وبعد أن حيته وهنأته بالعودة سالما غانما، خلصت وميسرة نجيا لتسأله عن أخبار محمد، فقال: "كنت آكل معه حتى نشبع، ويبقى الطعام على حاله، وكنت أرى ملكين يظللانه". ولما سمعت ذلك أعتقت ميسرة وأولاده، وأعطته عشرة آلاف درهم لبشارته هذه. ثم بدأت ترتب خطبته من عمها عمرو بن أسد.

          زواجها بالنبي:

          استشارت ابن عمها ورقة في شان النبي، فقالت: "صف لي عيب محمد، فقال لها من الأوصاف السامية والجليلة ما قال، فأرادت أن تهب له هدية، فقال: دعيني من حطام الدنيا، وإنما أنا طامع في شفاعتك لي عند محمد يوم القيامة، فإنا مقبلون على حساب وعقاب، لا ينجو منه إلا من تبع محمدا. وهكذا ازدادت خديجة لما سمعته، فهمست لصديقتها نفيسة بنت منية أن تعرض على النبي الزواج منها، فحصل ذلك، وكان خاطبها أبا طالب.

          دفاعها الأول عن النبي:

          بعد الزواج المبارك الذي كان في العاشر من ربيع الأول، تناهى إلى السيدة كلام الرجال والنساء الذين عدوا الزواج من فقير أبي طالب وسيدة النسوان عارا، وكانت النساء لا يدخلن عليها ولا يسلمن، فما كان لها إلا أن دعتهن، ولما حضرن وقفت خاطبة: "معاشر النساء! بلغني أن بعولتكن عابوا عليّ زواجي محمدا، وأنا أسالكم: هل فيكم مثله؟ أو هل في بطن مكة شكله من جماله وكماله وفضله وأخلاقه الرضية؟ فكففن عن الكلام".

          جهادها ووفاتها:

          لم تتردد السيدة في أن تكون أولى المؤمنات بالنبي، بل رافقته في رحلته التبليغية طوال واحد وعشرين سنة؛ حيث حوصر المسلمون وهي معهم في شعب بني هاشم يأكلون أوراق الشجر والجوع ينخر عظمها وهي بنت الرفاهية.

          بقيت إلى جانب النبي في محنته حتى بذلت كل مالها دفاعا عن الإسلام ونبيه. ما زالت كذلك ثلاث سنوات حتى فك الحصار إلا أن الإرهاق وشدة العناء قد فتك بالسيدة، ولم يمض وقت قصير حتى رقدت في فراش الموت، فأوصت ابنتها الزهراء (عليها السلام)، وكان عمرها خمس سنوات، أن تطلب من أبيها أن يكفنها من لباسه.

          وفي العاشر من شهر رمضان، وبعد ثلاثة أيام من وفاة أبي طالب، أسلم السيدة الروح إلى بارئها، فكان عام الأحزان. فلم يلبث النبي في القرية الظالم أهلها إلا أشهر ثلاث، وهاجر إلى المدينة. وقد دفنت بجانب أبي طالب وعبد المطلب وآمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقبرة الحجون أعلى مكة، وهي تعرف اليوم بمقبرة المعلى. وقد بنى المسلمون على ضريحها قبة عام 727 للهجرة، حتى هدمت الأضرحة عام 1344.

          وبعد وفاتها (عليها السلام) بقييت حاضرة في قلب النبي، ولم تردك إحدى نساءه منزلته، وقد روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا ذبح شاة يقول: "أرسلوا إلى أصدقاء خديجة، فتسأله عائشة عن ذلك، فيقول: إني لأحب حبيبها.

          كما جاء في كتب الفريقين أن عائشة كانت تمتلأ غيرة كلما ذكر النبي السيدة خديجة، حتى قالت يوما: "خديجة، خديجة! أبدلك الله بها خيرا. فتعرق جبين النبي غضبا ليقول: "ما أبدلني الله خيرا منها، كانت أم العيال وربة البيت، آمنت بي حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقت منها الولد، وحرمت من غيرها".     

السلام عليك سيدتي يوم ولدت، ويوم مت، ويوم تبعثين حية شافعة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 الرؤوف

 هاتِ البشارة

 الميت المقطَّع

 صفر

 الوليّ المولى

 المناجاة التاسعة: مناجاة المحبين

 الاستخارة والتفاؤل بالقرآن

 الفتّاح العليم

 المكان واللباس المغصوب

 ستمسي الأرض خالية

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net