﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 مرحلة الشباب 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 8738

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأئمة، أئمة الأنام، ومصابيح الظلام، وينابيع الأحكام، والدعاة إلى دار السلام. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

       عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله >اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ< الروم 54. 

       فرغنا من الكلام عن مرحلة الطفولة، واليوم نتكلم عن مرحلة الشباب. تعتبر مرحلة الشباب مركز القوة في حياة الإنسان التي يحيط بها ضعف أيام الطفولة من جهة، وعجز أيام الشيخوخة من جهة أخرى. فالإنسان وهو يطوي مرحلة الشباب أشبه بمتسلق الجبل؛ حيث يقترب شيئا فشيئا من القمة، وهي ذروة مرحلة الشباب، فتتسع رؤيته، وتتضح الأماكن الجميلة أمامه، لينزل من بعد ذلك في مرحلة الشيخوخة شيئا فشيئا إلى سفح الجبل؛ حيث تبدأ الرؤية بالانحسار، وتأخذ الأماكن الجميلة بالابتعاد عنه تدريجيا. قال تعالى: >وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ< يس 68. نكس الشيء: جعل أسفله أعلاه.

       وحديثنا عن مرحلة الشباب هو الحديث عن عهد القوة والعنفوان، عهد الجد والعمل، عهد النشاط والأمل، هو الحديث عن المرحلة التي يتخطى فيها الشاب حدود أسرته ليصبح عنصرا فعالا في مجتمعه. هذه المرحلة تشكل أساس القوة البشرية لكل بلد، فهي التي تملأ الحقول، والمصانع، والجامعات، والجيوش وحركات المقاومة.

       من هنا اهتم الإسلام بهذه المرحلة اهتماما خاصا، فاعتبرها أمانة نسأل عنها يوم القيامة، فمما وعظ به لقمان ولده، قال: "اعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله (عز وجل) عن أربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك ممَّ اكتسبته، وفيمَ أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جوابا". كما اعتبر الإسلام مرحلة الشباب من أكبر النعم الإلهية، حتى قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

اثنانِ لو بكت الدماءَ عليهما عينايَ حتى تأذنا بذهابِ                لم تبلغِ المعشارَ من حقَّيهما: فقدُ الشبابِ وفرقةُ الأحبابِ

 

       وهكذا بعدما بيّنا أهمية هذه المرحلة، نسأل عن المنهج الذي ينبغي سلوكه فيها.

       إن منهج الإسلام في ضبط هذه المرحلة، هو منهجه في ضبط حركة الحياة، وهو يعتمد على التوازن بين حاجاتنا، والاعتدال في تحقيقها. فلا يَبْخَلُ ولا يُسْرِف، بل يَكْرُم، ولا يَجْبُنُ ولا يتهور، بل يَشْجُع، ولا يهمل دنياه، ولا يترك آخرته، بل يتوسط بطلب الدنيا بالحلال، والامتثال لما عليه من الفرائض، ليحقق التوازن بين جنبته المادية، وجنبته الروحية، ويسلك طريقا وسطا؛ قال تعالى: >كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا< البقرة 143.

       فبنظر الإسلام لا تعذّر في أن يكون الإنسان رجل دين ورجل دنيا، فأن تكون متدينا هذا لا يعني أن تترك متاع الدنيا وزينتها، فتلتزم بيتك، وتنعزل عن الناس، ويظل العبوس ملازما وجهك؛ قال تعالى: >قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ< الأعراف 32.  وأكثر من ذلك، فإن الدنيا إذا أقبلت كان المؤمن أولى بها من غيره، يعيشها طولا وعرضا ضمن حدود الحلال الذي لا ينغص عليه متاعها، وإنما يقنّن له كيفية التعاطي معها. وحسبنا نبي الله سليمان (عليه السلام) يسأل الله تعالى أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؛ قال تعالى حكاية عن سليمان (عليه السلام): >قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ< ص 35. فلو كان في طلب الدنيا حرج لما طلبها نبي الله سليمان (عليه السلام).

       إذًا إن سلوك الطريق الوسط بين الحاجات الروحية، والمتطلبات المادية، هي الوسيلة المثلى للسعادة في الدارين، بعيدا عن الإفراط والتفريط، وتماشيا مع ما تقتضيه الفطرة الإنسانية السليمة.

       هذا ما يجب أن يكون عليه الشباب، أن يقفوا موقفا متوازنا من الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: >وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا< القصص 77. فلا داعي لتخوف الشباب من التدين والالتزام بتعاليم الدين، وكأن هذا الدين يحرمهم من لذاتهم، أو يضيق عليهم أنفاسهم! هذا الكلام محض افتراء على الدين الذي راعى كل حاجيات الإنسان، فأحل له من المطعم والمشرب ما يلذ ويطيب، فقال عز من قائل: >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ< البقرة 172. وأدبه بترك الإسراف لما فيه من أذية للبدن، فقال: >يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ< الأعراف 31.  ثم أمره بالصيام، وما أكثر فوائده، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "صوموا تصحوا". ونهاه عن أكل الخبائث منعا من الضرر؛ فقال: >إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ< البقرة 115. ونهاه عن شرب الخمر ليسلم عقله، وعن القمار ليحفظ له ماله، فقال:  >يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) < المائدة. 

       وفي الملبس أجاز كل أنواع اللباس شريطة أن يستر ما وجب ستره، وأن لا يكون من الحرير الخالص بالنسبة للرجال.

       وفي الزواج أحل له التزويج، بل حثه عليه، فقال تعالى: >فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا< النساء 3. وتعولوا أي تجوروا وتميلوا عن الحق. 

وقال إمامنا الباقر(عليه السلام): "ما بُني بناء في الإسلام أحب إلى الله (عز وجل) من التزويج". وقال الصادق (عليه السلام): "ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب". وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "من أحب أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليلقَه بزوجة". وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم".

          وفي المسكن والمركب يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): "أربع من السعادة، وأربع من الشقاوة؛ فالأربع التي من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب البهي. والأربع التي من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء".

          أما في ادخار الأموال، قال الصادق (عليه السلام): "لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال، يكف به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه". ولما قال رجل له (عليه السلام): والله إنا لنطلب الدنيا، ونحب أن نؤتاها، فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها، وأتصدق بها، وأحج وأعتمر، فقال (عليه السلام): ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة".

       أبعد هذا كله يحق للشباب المسلم أن يبتعدوا عن دينهم بحجة أنه يحبسهم عن ممارسة حياتهم، وتحقيق رغباتهم، ويمنعهم عن متع الدنيا؟ وإنما حريُّ بشبابنا أن يسارعوا إلى التعرف أكثر على دينهم لينصفوه، ومن ثم يمارسوه في كل تفاصيل حياتهم، ليفتخروا به على الأديان والمذاهب. فالحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، فجعلنا به أمة وسطا، آتانا من الدنيا ما نستعين به عليها، وندخر منها لآخرتنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 القضاء والقدر

 البرّ المانع

 زيارة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) المعروفة بزيارة الناحية المقدسة

 الرقيب المجيب

 الاختتان

 التوبة (2)

 أماكن التخيير

 مد التمكين

 الإمام عليّ بن محمّد الهادي (عليهما السلام)

 وطن الزوج

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net