﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الإمام المهدي (1) (عليه السلام) 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 4617

       بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الدائم في ملكه، القائم في عزه، المطاع في سلطانه، المتفرد في كبريائه، المتوحد في ديمومة بقائه، العادل في بريته، الكريم في تأخير عقوبته. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأئمة، وسيلةِ الله إلى رحمته، والذريعةِ -أي الوسيلة- إلى رضوانه، وخلفائِه في أرضه، ومصابيح ِالهدى في سمائه. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد..

       عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله، الذي وعدنا فقال: >وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ< سورة الأنبياء، آية 105. وقال:>وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ< سورة القصص، آية 5. >... وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ< سورة الزمر، آية 20.

أقول: اتّفقت ملل الإسلام بل ملل الشّرائع السّماويّة على ضرورة مجيء مصلح مخلّص في آخر الزّمان، بل النّظريّات الماركسيّة تؤمن بأنّه سيأتي يوم على الأرض تكون جنّةً للبشر. وقد اختلفت المذاهب الإسلاميّة حول شخصيّته وولادته؛ أمّا العامّة، فاشتهر بينهم أنّه من وُلد الحسين بن عليّ للمأثور عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه لم يولد بعد.

أمّا الإماميّة، فقالوا بأنّه الثّاني عشر من الأئمّة الّذين نصّ عليهم الرّسول الأعظم الإمام الحجّة المهديّ المنتظر محمّد بن الحسن (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ومن  ذلك  ما  رواه  جابر  بن عبد الله الأنصاريّ، قال: "لمّا قال  الله (تعالى): ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله َوَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ سورة النساء، آية 59، قلت: يا رسول الله!  عرفنا  الله  فأطعناه، وعرفناك فأطعناك، فمن أولي الأمـر الّذين أمرنا الله بطاعتهم؟ قال: هم خلفائي يا جابر، وأولياء الأمـر بعدي؛ أوّلهـم أخي عليّ (عليه السلام)، ثمّ من بعده الحسن ولده، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، وستدركه يا جابر، فإذا  أدركته فاقرئه منّي السّلام، ثمّ جعفـر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علـيّ بن موسى الرّضا، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ محمّد بن الحسن يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما". القِسط عدل ظاهر، والعدل أعمّ، والظّلم إنقاص الحقّ، بينما الجور عدولٌ عنه.

وُلِد الإمام ليلةَ النِّصف من شعبان سنة خمس ٍوخمسينَ ومائتين للهجرة، وعندما وُلِد سطع نور إلى عنان السّماء، ثمّ سقط (عليه السلام) لوجهه ساجدا لربّه، ثمّ رفع رأسه وهو يقول: ﴿شَهِدَ الله ُ أنَّهُ لا إلهَ إلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ ...﴾ سورة آل عِمران، آية 18-19.

أمّه السيّدة الجليلة "نرجس" مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الرّوم، وأمّها من وِلد الحواريّين، تنتسب إلى شمعون وصيّ المسيح (عليه السلام)، ولها قصّة عجيبة في زواجها من الإمـام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام).

وهو حيّ موجود من حين  ولادته؛ غائب من حين وفاة والده؛ أي بعد خمس ِ سنين من الولادة، ونستدل على ذلك بالدليل العقلي والنقلي:

- أولا: الدليل العقلي:

إنّ كلّ زمان لا بدّ فيه من إمام معصوم؛ لأن الأرض لا تخلو من الحجة لقول المعصومين: "لو خلت الأرض من حجة لساخت بأهلها"، ولقوله تعالى: >...إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ< سورة الرعد، آية 7.

والحجة هو الهادي، والهادي للأمة لطف، واللطف واجب على الله؛ لمحل رحمته، فيكون وجود الإمام واجب لأنّه لطف، ومن الواضح أنّ هذا اللّطف لا يختصّ بزمن دون زمان، لذا ينسحب لزماننا لنثبت به وجود إمامنا. ولما وجب أن يكون الإمام معصوما، ولا أحد غيره ادعيت له العصمة فيكون هو الإمام.

- ثانيا: الدليل النقلي:

    1- آيات: قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوكُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِم ...﴾،  وقوله عزّ من قائل : ﴿...إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ...﴾. هذه الآيات تصرِّح بأنّ لكلِّ قوم إماما يُدْعَون به، وهاديا يرشدهم، وشهيدا يشهد على أعمالهم.

    2- الروايات: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ عليًّا وصيّي، ومن وِلده القائم المنتظر المهديّ الذي يملأ الأرض قِسطا وعدلا كما مُلِئت ظلما وجورا، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا إن الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر، فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: " أي وربي ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، يا جابر إن هذا الأمر من أمر الله، وسر من سر الله، علته مطوية عن عباده، فإياك والشك فيه فإن الشك في أمر الله عز وجل كفر".

    والحديث المتواتر عند الفريقين، وهو: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة". هذا الحديث دالٌّ على وجود إمام لكلّ زمان، ووجوب معرفته.

     وأما الاستبعاد ببقاء مثله ليومنا حيث يبلغ من العمر 1175سنة فباطل؛ لأنّ ذلك ممكن لوجهين:

1- إن الله قادر على ذلك، فالتشكيك بإمكانية طول العمر، تشكيك بقدرة المولى، خاصة وأن العلم الحديث قد أثبت إمكان ذلك؛ أنّ الإنسان لا يموت بسبب بلوغه الثّمانين أو التّسعين من عمره، بل لأنّ العوارض تنتاب بعض أعضائه فتتلفها، ولارتباط أعضائه بعضها ببعض تموت كلّها، فإذا استطعنا أن نزيل هذه العوارض، أو نعطِّل تأثيرها، لا يبقى مانع من استمرار الحياة مئات السّنين...

2- إنّ التاريخ قد سجّل العديد من المعمِّرين أمثال أبينا آدم (عليه السلام) الّذي قيل أنّه عاش عشرين وتسع مائة سنة، ونوح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، والمسيح عيسى ابن مريم (عليهما السلام) الّذي مازال حيًّا حتّى اليوم، وإدريس (عليه السلام) قال تعالى: >وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا<، والخِضر (عليه السلام)، وإبليس عدوّ الله المنظور إلى يوم الدّين، وكما يقال: الوقوع أكبر شاهدٍ على الإمكان.

          وأما سبب خفائه (عليه السلام)، فليست من الله؛ لأنّ حكمته تعالى وعصمته (عليه السلام) لا يجوز معهما  منع  اللّطف، فيكون  المانع من الغير، والسبب:  

1- إما لكثرة العـدوّ، فلعلّه غاب للحفاظ على حياته من الظَلَمَة والطّواغيت الّذين يدركون أنّ نهاية ملكهم على يده، أو لتعارض مصالحهم مع وجوده المبارك، وقد ورد في الرّوايات أنّ الإمام (عليه السلام) عندما يظهر سيقول ما قاله موسى (عليه السلام) حينما عاد إلى فرعون: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ سورة الشّعراء، آية 21.

    2- أو قلّة النّاصر، فلا يريد الإمام مجرّد جنود ليسايفوا الأعداء فحسب، وإنّما جنودا يتحَّلون بصفات ذكرها أبو عبد الله الصّادق (عليه السلام) بقوله: " له بالطّالَقَان -بلدتان إحداهما بخراسان بين مرو الرّوذ وبلخ- ما هو بذهب، ولا فضّة، وراية لم تُنْشَر منذ طويت، ورجال كأنّ قلوبهم زُبَرُ الحديد، لا يشوبها شكّ في ذات الله، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون براياتهم بلدة إلا خرّبوها، كأنّ على خيولهم العُقْبَان، يتمسّحون بِسَرجِ الإمام (عليه السلام)، يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به، يقونه بأنفسهم في الحروب، ويكفونه ما يريد فيهم. رجال لا ينامون اللّيل، لهم دَوِيٌّ في صلاتهم كدويّ النّحل، يبيتون قياما على أطرافهم، ويصبحون على خيولهم، رُهْبَانٌ باللّيل، ليوث بالنّهار، هم أطوْعُ له من الأمَةِ لسيِّدها؛ كالمصابيح؛ كأنَّ قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشّهادة، ويتمنَّون أن يقتلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين! إذا ساروا يسير الرُّعبُ أمامهم مسيرةَ شهر، يمشون إلى المولى إرسالا، بهم ينصر الله إمام الحقّ".

3- لئلا يكون لأحد من الجبابرة بيعة في عنقه، فالبيعة تقيّده عن ثورته العظمى؛ "عن أبي عبد الله الصّادق(عليه السلام) قال: يقوم القائـم وليس لأحد في عنقه عَهْدٌ ولا عَقْـدٌ ولا بيعة".

4- لتمحيص قلوب المؤمنين، كما جاء في جواب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لجابر الأنصاريّ عندما سأله: "يا رسول الله! أوَ للقائم غيبة؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي وربّي! ليمحِّص الله الّذين آمنوا، ويمحق الكافرين".

أسأل الله السميع العليم أن يعجل فرجه، ويرنا فُلْجَه - أي نصره-، ويجعلنا من أعوانه وأتباعه ومقوي سلطانه، إنه سميع مجيب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 الواحد الأحد

 العارض للوقف والإشمام والروْم

 للنوم وحالاته

 زيارة صاحب الزمان (عجل اله تعالى فرجه) يوم الجمعة

 المد العارض للسكون

 الحكيم الودود

 هل الله يُرى؟

 التعب في العبادة

 الإمام الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام)

 الضمان

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net