﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 الجبر والتفويض 

القسم : القضاء والقدر والجبر والتفويض   ||   التاريخ : 2011 / 03 / 07   ||   القرّاء : 17330

الجبر والتفويض:

     وفيه ثلاثة مذاهب:
     الأوّل: المُجَبِّرَة: وهم الذّاهبون إلى أنّه تعالى الفاعل لأفعال المخلوقين، سواء كان خيرًا أم شرًّا، من دون أن يكون لهم أيُّ اختيار. وقد استدلّوا على ذلك بقوله تعالى: >وَالله ُخَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ< (1).

     ولعلّ أخطر ما نتج عن فكرة الجبر، هو الخضوع للحاكم الظالم ؛ لأنّه مُجْبَرٌ على ظلمه، بل هو بالحقيقة ظُلْمُ الله تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا ، كما أنّهم مجبورون أيضا على الخضوع . وهكذا تبنّجت حفيظة النّاس ، فاثّاقلوا عن الثّورة ضدّ البغاة ، الذين ما انفكّوا يغذّون كلَّ حديث مدسوس يعزِّز الجبريّة ، ويثبّت دعائمها .

     الثاني: المُفَوِّضَة: وهم الذّاهبون إلى أنّه تعالى قد فوّض الأفعال إلى المخلوقين ، بعدما رفع قدرته وقضاءه عنها . واستدّلوا على مذهبهم بقوله تعالى: >إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيْلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوْرًا< (2).

     الثالث: الأمر بين أمرين: هذه هي عقيدة الإماميّة المستمَدَّة من قول الصّادق عليه السّلام : " لا جَبْرَ ولا تَفْوِيضَ ولكن أمرٌ بين أمرين " (3).

     والأمر بين أمرين يعني : إنّ أفعال الإنسان لا تنفكّ عن قدرة الله وقضائه ، إلا أنّه له حَيِّزٌ من الإختيار ، وهامش من الإرادة تجعله مُسْتَحِقًّا للثّواب فيما صدر عنه ، وأمَرَ به الله ، ومُسْتَحِقًّا للعقاب فيما صدر عنه أيضا ، ونهى عنه الله .

     والدّليل على مذهبنا من أربعة وجوه :
     أوّلا: إنّ العقل والوجدان يحكمان باختياريّة الإنسان بين نزوله عن السطح على الدَّرَج ، أو بالمصعد ؛ فلو لم تكن الأفعال منّا ، لكانت على وتيرة واحدة ، والواقع خلافه ، فتكون منّا .

     ثانيا:
     - لو لم يكن العبدُ موجِدًا لأفعاله (المُقَدَّم) ، لامتنع تكليفه (التالي) .
     - ولكنّه مكلّف بالإجماع ← فالتالي باطل ← فالمقدّم مثله .
     » إذن العبد موجِدٌ لأفعاله (النتيجة) .

     - ولو لم يكن مُكَلَّفًا (المُقّدّم) ، لَمَا كان عاصيًا (4)(التالي) .
     - ولكنّه عاصٍ بالإجماع ← فالتالي باطل ← فالمقدّم مثله .
     » إذن العبد مكلّف (النتيجة) .

     وبيان الملازمة بين المقدّم والتالي الأوّلَيْن : إنّ تكليف من لا قدرة له على إيجاد أفعاله قبيح ، لأنّه تكليف بما لا يطاق (5).

     ثالثا:
     - لو كانت الأفعال كلُّها حتى القبيحة صادرة عنه تعالى (المقدّم) ، لاستحالت معاقبة العبد عليه (6)(التالي) .
     - ولكنّ الله يعاقبه اتِّفاقًا ← فالتالي باطل ← فالمقدّم مثله .
     » إذن لا تصدر كلّ الأفعال منه تعالى (النتيجة) .

     رابعا: النّصوص القرآنيّة :
     » >فَوَيْلٌ للّذينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ ...< (7).
     » >... إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ ...< (8).
     » >... وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ...< (9).
     » >... كلُُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ< (10).

     كلّ هذه الآيات تضيف الفعل إلى العبد ؛ فهو الكاتب للكتب ومُحَرِّفها ، والمُتَّبِع للظنّ ، وعامل السّوء ، والكاسب لأفعاله . كما يمكن زيادة العديد من آيات الوعد والوعيد ، والمدح والذّمّ .

_____________________

(1) سورة الصّافّات الآية : 96 .

(2) سورة الإنسان الآية : 3 .
(3) الكافي ج 1 : 210 / ط . دار التّعارف .
(4) لِبَدَاهة أنَّ العصيان على شيء فرع التكليف به .
(5) ﴿لا يُكَلِّفُ الله ُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ...﴾ سورة البقرة الآية : 286 .

(6) لأنّه لم يفعله ، وإلا لو عاقبه لكان ظالما حاشا لذاته المقدّسة .
(7) سورة البقرة الآية : 79 .
(8) سورة الأنعام الآية : 116 .
(9) سورة النّساء الآية : 123.
(10) سورة الطّور الآية : 21 .



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

البحوث الفقهية

بحوث فلسفية وأخلاقية

البحوث العقائدية

حوارات عقائدية

متفرقات

سؤال واستخارة

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 التحايل السياسي (الإمام علي والمغيرة - نُصْحُ اليومِ وتحايلُ الغدِ)

 الإسلام القرآني

 

 انتقال السيدة العذراء

 أرز الله

 جراح الطفولة وأقنعة الأنا

 الذكورية في استعراضات الأنثى

 العائلة نواة المجتمع

 وَهْمُ الكمالِ

 شجرة_البؤس: (رؤية تحليليَّة)

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 حق الأب (رسالة الحقوق)

 ذات عادة مضطربة

 الرقيب المجيب

 في مختلف الأحوال

 الإمام محمّد بن عليّ الجواد (عليهما السلام)

 المناجاة الثانية عشرة: مناجاة العارفين

 مَنْ لَا يُصْلَحُ تَرْكُهُ أَصْلَحُ

 التحقيق والحدر والتدوير

 الحب والغيرة وتعدد الزوجات

 صوم القضاء ونذر الصوم

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net