﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 نحلة الله والنبي وجبريل للحُسين  

القسم : محاضرات عاشورائية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 28   ||   القرّاء : 5160

نحلة الله: (الطهارة الإلهيّة)

إذا تقرّرَ في اللوح أن يكونَ الإمامُ الحُسَين (عليه السلام) من الأئمّة الّذين وجبت طاعتهم، وبالتالي وجبت عصمتهم؛ لأنه محال على الحكيم سبحانه أن يأمر بالطاعة المطلقة لمن يمكن بحقهم العصيان، فإنّ الوحيَ الذي عاش الحسينُ في ظلّه؛ حيث كان بيتُ الرسالة مهبطَهُ، تنزلُ آياتُه على جدّه، وهو يحبُو في أفنانه حتّى شبّ في ظلاله، لا بُدّ وأن يؤكّد ما تقرّر في اللوح من وجوب الطاعة لهم (عليهم السلام).

                   وكذلك كان فقد روي عن أم سلمة قولها: "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيتي، فأتت فاطمة، فقال: ادعي زوجك وابنيك، فجاء عليّ وفاطمة والحسن والحسين، وكانت تحته كساء خيبري، فأنزل الله: )...إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا([1]. فأخذ فضل الكساء، ثم أخرج يده، فألوى بها إلى السماء، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فأدخلت رأسي البيت، وقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنك إلى خير، إنك إلى خير"[2].

بعد التسليم بنزول هذه الآية بالخمسة E، تثبت العصمة لهم جميعا، لأن إرادة الله في إذهاب مطلق الرجس عنهم إرادة تكوينية لا تتخلَّف عن المراد؛ لأنه تعالى: >إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ<. وإلا لم يكن لهذا التخصيص معنى، وليس وراء إذهاب الرجس إلا إتحافهم بالعصمة.

                    أما من ادعى أن المراد بالطهارة خصوص الطهارة الخبثية والحدثية، فنقول له: لا معنى أن يلح النبيّ في طلب ذهاب الخبث أو الحدث عنهم، بل لامعنى لحصر إرادة الله في إذهاب ذلك عنهم، وهو حاصل لأي مكلّف عمل وظيفته تجاههما من وضوء أو غسل أو تيمم.

                  

نحلة النبي: (الخُلُقُ العظيمُ)

حِجْرُ الزهراء فاطمة بنت الرسول ذي الخلق العظيم، هو خير مهد لتربية أولادها على ذلك الخلق، وأكرِم به. ولكن لمّا رأت الزهراء والدها الرسول محتضرًا، وعلمتْ من نبئهِ بسرعة لحوقها به، هبّتْ لتستمدّ من الرسول لأولادها الصغار المزيدَ, واجتهدتْ أن تطلبَ من أبيها علانية - حتّى يتناقلَ حديثَها الرواةُ - أنْ يُورث ابنيها. فقالوا: "أتَتْ فاطمةُ بنتُ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بابنيها إلى رسول الله - في شكواه التي توفّي فيها - فقالت: يا رسول الله، هذانِ ابناكَ، تورّثهما شيئاً? قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم. أمّا الحسن، فقد نحلتُه هَيْبتي وسُؤددي. وأمّا الحسين، فقد نحلتُه نَجدتي[3] وجُودي. قالتْ: رضيتُ، يا رسول الله".

إذن نحل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولده الحسين (عليه السلام) الثائر في سبيل الله  الشجاعة، والجرأة، والنجدة، والجود، وهي الصفات التي تتناسب مع دوره الجهادي الاستشهادي، فنعم الناحل، ونعم المنحول، ونعم النحلة.

ومن مظاهر كرمه وتواضعه (عليه السلام) ما رواه أبو بكر ابن حزم؛ حيث قال: "مرّ الحسين بمساكين يأكلون في الصُفّة، فقالوا: الغداءَ! فنزل (عليه السلام)، وقال: إنّ اللهّ لا يحبُّ المتكبّرين، فتغدّى ، ثم قال لهم: قد أجبتُكم، فأجيبوني. قالوا: نعم! فمضى بهم إلى منزله، فقال للرباب: أخرجي ما كنتِ تدّخرينَ".

 

نحلة جبريل: (القوة الغيبية)

وُلِدَ الحسينُ (عليه السلام)، ونَما وعاشَ طفولته في مهبِط الملائكة، حيث تترى صعوداً ونزولاً على جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ترفده بالوحي، وأنباء السماء، ومغيّبات الأرض. وإذا حطّتْ طيور الوحي أو طارتْ، فإنّ زَغَبَ[4] أجنحتها لابُدّ أنْ يتناثر في أروقة هذا المكان، وإنّ أهل البيت لابُدّ أنْ يحتفظوا بهذا الزغب ليجدّدوا به ذكريات الرسول والنبوّة.

والرسول نفسه قد خَصَ الحسن والحسين بتعويذين جمعَ فيهما من زغب جناح جبريل أمين الوحي، يحملانه معهما، ليكونا أظهر دليل على ارتباطهما بالسماء. عن عبد الله بن عمر: "كان على الحسن والحسين تعويذان فيهما من زغب جناح جبرئيل".

وإذا كان في التعويذ دعمٌ معنويّ، فإنّ لجبريل موقفًا آخر مع الحسين خاصّة، إذ كان يدعمُه مادّيا ويبثّ فيه القوّة والشجاعة، ففي الحديث : "أنّ الحسنَ والحسينَ كانا يصطرعان فاطّلع عليّ على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: ويهًا الحسنَ. فقال عليّ: يا رسول الله، على الحسين? فقال : إنّ جبرئيل يقول: ويهاً الحسين".

إنّه من أجمل المناظر أن يلعب الصغار ببراءة الطفولة، ولكن الأجمل من ذلك أن يكون بمشهد النبيّ الأعظم من جانب، و جبرئيل مَلَك السماء من جانب آخر .

وإذا كان جبرئيل ينفثُ في الحسين روح القوّة والشدّة والتشجيع، فإنّ ذلك بلا ريبٍ بأمر من السماء؛ إذ أنّ الملائكة الكرام >يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ<. كما كان جبريل (عليه السلام) المنبىء عن قتله وشهادته، والمُراسِل الأوّل بأنباء السماء عن كربلاء، بل أتى النبيَ من أرضها بتربة حمراء.

          وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) يعرف ما تميّز به الحسين (عليه السلام) من القوّة الغيبيّة التي نفثها فيه جبرئيل، فكان يشبّهه بنفسه في الشجاعة و الإقدام، ويقول: "وأشبه أهلي بي: الحُسينُ".

نعم! هو الحسين بن علي البطل المقدام الذي لا تُنكَر ضرباته، ولا تفلّ عزماته. وقد أعلن أخوه الحسن (عليه السلام) عن شدّته وصلابته حين قال له: "أي أخ، والله، لوددتُ أنّ لي بعض شدّة قلبك".



[1] سورة الأحزاب، آية 33.

[2] مسند أحمد ج6، ص292 - تفسير الثعلبي ج8، ص42 - شواهد التنزيل ج2، ص128 - تفسير ابن كثير ج3، ص492.

[3]  النجدة : الشجاعة.

[4]  الزغب: صغار الشعر أو الريش.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 معرفة الوقف والابتداء

 للولد والعقيقة والاختتان

 القدّوس

 العزيز الجبّار

 المناجاة الخامسة عشرة: مناجاة الزاهدين

 أحكام النفاس

 المهر بعد فسخ الزواج

 رجب الحرام

 سجود السهو

 أي الرزايا

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net