﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 فضل يوم الجمعة 

القسم : الخطب   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 27   ||   القرّاء : 5643

       بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل يوم الجمعة من أشرف الأيام، وجعله عيد الأسبوع لأهل الإسلام، وأمرنا فيه بذكره تعالى وكثرة الصلاة والسلام على سيد الأنام. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا، صمدا، فردا، حيا قيوما، دائما أبدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ونشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المنتجب أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأئمة، العلماءِ، الخلفاءِ، الأولياءِ، الأوصياءِ، النجباءِ، أكرمَ من أقلت الأرض، وأشرفَ من أظلت السماء. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى أن يشاء رب العالمين. وبعد

عباد الله! أوصيكم وأوصي نفسيَ الأمارةَ قبلَكم بتقوى الله الذي إليه مرجع العباد، وبين إصبعيه يتقلب الفؤاد. فإنه تعالى عالم بما يفعلون، مطلع على ما يُخفون، لا يُعَجِّل لهم العقوبةَ رحمةً بهم، لعلهم يتقون.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اختار الله من الأيام الجمعة، ومن الليالي القدر، ومن الشهور رمضان، واختارني وعليا، واختار من علي الحسن والحسين، حجةَ الضالين، تاسعهم قائمهم أعلمهم وأحكمهم".

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): "سمعت حبيبي رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: هبط عليّ جبرئيل فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن وسيد القرآن سورة البقرة".

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن يوم الجمعة سيد الأيام، يضاعف الله (عز وجل) فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، ويستجيب فيه الدعوات، ويكشف فيه الكربات، ويقضي فيه الحاجات العظام، وهو يوم المزيد لله، فيه عتقاءُ وطلقاءُ من النار، ما دعا الله فيه أحد من الناس وعرف حقه وحرمته، إلا كان حتما على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، وإن مات في يومه أو ليلته مات شهيدا، وبعث آمنا، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله (عز وجل) أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب".

فيوم الجمعة مختار الله، وسيد الأيام، فلماذا سمي يوم الجمعة بالجمعة، ولماذا اكتسب هذا اليوم هذا الفضل دون سائر الأيام؟

أما تسميته، فقد سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أول يوم خلق الله (عز وجل)؟ قال: يومُ الأحد، فقيل: ولم سمي يومَ الأحد؟ قال: لأنه واحد محدود، قيل: فالاثنين؟ قال: هو اليوم الثاني من الدنيا، قيل: والثلاثاء؟ قال: الثالث من الدنيا، قيل: فالأربعاء؟ قال: اليوم الرابع من الدنيا، قيل: فالخميس؟ قال: هو يوم خامس من الدنيا، وهو يوم أنيس، لعِن فيه أبليس، ورفع فيه إدريس، قيل: فالجمعة؟ قال: هو يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، وهو شاهد ومشهود، قيل: فالسبت؟ قال: يوم مسبوت، وذلك قوله (عز وجل) في القرآن: " ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " فمن الاحد إلى يوم الجمعة ستة أيام، والسبت مُعَطَّل". إذن سمي يوم الجمعة بهذا الاسم، لأنه يوم يجمع فيه الناس للحساب، فإن الساعة لا تقوم إلا يوم الجمعة، كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال أبو جعفر(عليه السلام): "سمّى الله الجمعة جمعة لأنّ الله (عز وجل) جمع في ذلك اليوم الأولين والآخرين، وجميع ما خلق الله من الجن والإنس، وكلَّ شيء خلق ربُّنا والسماواتِ والأرضينَ والبحارَ والجنةَ والنارَ، وكلَّ شيء خلق الله في الميثاق، فأخذ الميثاق منهم له بالربوبية، ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة، ولعلي (عليه السلام) بالولاية".

أما سبب فضله، فيروي لنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيقول: "كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاء رجل فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أخبرني عن يوم الجمعة، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: سألتني عن يوم الجمعة، فقال: نعم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تسميه الملائكة في السماء يومَ المزيد. يومُ الجمعة، يومُ خلق الله فيه آدم (عليه السلام)، يوم الجمعة نـَفَخَ الله في آدم الروح، يومُ الجمعة يومُ أَسْكَنَ الله فيه آدم الجنة، يومُ الجمعة يومُ أسجد الله ملائكته لآدم، يومُ الجمعة يومُ جَمَعَ اللهُ فيه لآدم حواء، يوم الجمعة يوم قال الله للنار: >كُونِي بَرْدًا وسَلامًا على إِبْرَاهِيْمَ< يومُ الجمعة يومُ استجيب فيه دعاء يعقوب، يومُ الجمعة يومُ غفر الله فيه ذنب آدم، يومُ الجمعة يومُ كشف الله فيه البلاء عن أيوب، يومُ الجمعة يومُ فدى الله فيه إسماعيل بذبح عظيم، يومُ الجمعة يومُ خلق الله فيه السموات والأرض وما بينهما، يومُ الجمعة يوم يُتَخَوَّف فيه الهولُ، وشدةُ القيامة، والفزعُ الأكبر".

ويوم الجمعة يوم عيد أفضل من الفِطر والأضحى، وهو يوم نُصِّب فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما وعلما في غدير خم، يوم "من كنت مولاه فهذا علي والاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه كيفما دار".

وبعد، فإن يومَ الجمعة يومُ حملت فيه مريمُ بالمسيح (عليهما السلام)، وهو يومُ ولادة الأنبياء والأوصياء، ويومُ ولادة مولانا صاحب الزمان، ويومُ انتقالِ الإمامةِ إليه، ويومُ توقعِ ظهورِه واستيلائِه على أعدائه، ويومُ سمي فيه بالقائم.

الله أكبر! ما أعظم يومَ الجمعة! وما أكثرَ فضائلَه، وأجزلَ نائلَه -أي أعظم عطاياه-، فكيف نستغل هذا اليومَ العظيمَ، لننهل من أنهار الجود الإلهي؟ الجواب: بالعبادة

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: إن للجمعة حقًا وحرمة، فإياك أن تضيّعَ أو تقصّرَ في شيء من عبادة الله والتقرب إليه بالعمل الصالح وترك المحارم كلها، فإن الله يضاعِف فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، وإن يومَه مثلُ ليلته، فإن استطعت أن تحييها بالصلاة والدعاء فافعل، فإن الله تعالى يرسل فيها الملائكة إلى السماء الدنيا لتضاعِف فيها الحسنات، وتمحو فيها السيئات، وإن الله واسع كريم".

ومصاديق العبادة: قراءة القرآن، والدعاء، والاستغفار؛ ويروي لنا الإمام الصادق (عليه السلام) أن إخوة يوسف (عليه السلام) حينماطلبوا من أبيهم يعقوب (عليه السلام) أن يستغفر لهم، > قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) < يوسف. أخر يعقوب (عليه السلام) استغفاره لأبنائه إلى السحر من ليلة الجمعة كي يستجاب له".

والصلاة على النبي وآله (عليهم السلام)، فعن الباقر (عليه السلام): "ما من شيء من العبادة يوم الجمعة أحبّ إلي من الصلاة على محمد وآل محمد". والدعاء لمولانا صاحب الزمان بدعاءي العهد والندبة. والصدقة، فإنها تضاعف يوم الجمعة أضعافا، وفي بعض الروايات ألف ضعفها في سائر الأيام.

والاغتسال، وهو من أهم الأعمال حتى قال البعض بوجوبه، قال الصادق(عليه السلام): "من اغتسل يوم الجمعة للجمعة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، كان طهرًا له من الجمعة إلى الجمعة". ووقته من فجر الجمعة إلى غروبها، ويجوز تقديمه يوم الخميس إن خاف عدم القدرة عليه يوم الجمعة، فإن قدر أعاده، وإن لم يستطع فيقضيه يوم السبت إلى غروبه. وكل هذا تأكيدا على أهميته وفضله، حتى أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  وصيه عليّ (عليه السلام) فقال: "يا علي اغتسل في كل جمعة، ولو أنك تشتري الماء بقوت يومك، وتطويه -أي تجوع فيه-، فإنه ليس شيءٌ من التطوع أعظمَ منه".

وكذا التطيب وقص الأظافر، ولبس صالح الثياب، وزيارة القبور، فعن الباقر (عليه السلام): "زوروا الموتى يوم الجمعة، فإنهم يعلمون بمن أتاهم ويفرحون". وكذا صلة الرحم، فإنها توسع في الرزق، والدخول على الأهل باللحم، والفاكهة، وخاصة الرمان، والحلوى، حتى يفرحوا بالجمعة، فإن هذه سنة نبينا التي أوصى بها.

وعروس يوم الجمعة أيها الأحبة صلاتها، التي كان يتحضر لها أئمتنا من يوم الخميس حتى لا يقصروا في أداء حقها. فعن أبي عبد الله عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: "جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقال له: قليب، فقال: يا رسول الله: إني تهيأت إلى الحج كذا وكذا مرة فما قُدِّر لي؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): يا قليب عليك بالجمعة فإنها حج المساكين".

وعن أبي جعفر(عليه السلام): "أن الملائكة المقربين يهبطون في كل يوم جمعة معهم قراطيس الفضة وأقلام الذهب، فيجلسون على أبواب المسجد على كراسي من نور، فيكتبون من حضر الجمعة الأول والثاني والثالث حتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام طَوَوا صحفهم". هذا ما تيسر لنا الحديث عنه في فضل الجمعة وأعمالها وآدابها، نسأل الله السميع العليم أن يكتبنا من روّاد يوم الجمعة، ويحينا إلى الجمعة التي يظهر فيها مخلصُنا وقائدُنا الحجة المهدي المنتظر (روحي لتراب مقدمه الفداء، إنه سميع مجيب. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 المناجاة السادسة: مناجاة الشاكرين

 سجود السهو

 التسليم

 المتكبِّر الخالق

 رأس السنة الخمسية

 كفارة النذر ونذر السفر

 نذر الزوجة

 خمس المستبصر والكافر والمرتد

 التشهد

 المد الجائز المنفصل

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net