﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 مشي النساء في الشوارع في المناسبات 

القسم : بحوث فقهية   ||   التاريخ : 2014 / 06 / 15   ||   القرّاء : 4110

إن مشي النساء في الشوارع لغير ضرورة على مرأى الرجال وعلى النحو الذي نشهده في بعض المناسبات مناف لسيرة أهل البيت (عليهم السلام) الذين كانوا يحرصون على إخفاء نسائهم عن عيون الأجانب.

أما ما يشاع من أن في مشي النساء مواساة للسيدة زينب (عليها السلام)، فهو في غير محله، لأن السيدة زينب مشت رغما عنها، وكانت متأذية لذلك، حتى نقل عن السيدة سكينة (عليها السلام) أنها قالت: "لقد خُزينا من كثرة النظر إلينا"; يعني أصابنا العار لكثرة تعرضنا لنظر الأجانب. وبالتالي كما تأذت السيدة زينب والسيدة سكينة وباقي النسوة لمشيهن في الشوارع، فهن يتأذين لمشي نسائنا اليوم; لأنهن يحببن للنساء ما يحببن لأنفسهن، فتأملوا.

ثم هل يدعي فقيه أن أهل البيت (عليهم السلام) يحبون أن تمشي المرأة في الشوارع وتكون تحت محط أنظار الرجال?!

فإن الله الذي أسقط الجهاد عن المرأة الذي فيه عز الإسلام، وجعل جهادها حسن تبعلها، أي حسن رعايتها لزوجها ومنزلها، والذي قدَّم صلاة المرأة في بيتها بل في غرفة نومها (مخدعها) على الصلاة في المسجد، يستحيل أن يحب مشي النساء في الشوارع بالأولوية.

ثم نسأل سؤالا جوابه معه، وهو: لو ظهر مولانا صاحب الأمر (عليه السلام) اليوم، فهل كنا سنرى زوجته أو ابنته تمشي بين الرجال لساعات وساعات، بل لأيام، فضلا عن نومها خارجا ... أم سيحفظها في بيتها? أوليس المروي عن سيدتنا وقدوتنا فاطمة (عليها السلام) أنه خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال، فضلا عن كثير من الروايات التي تؤيد هذا المعنى?!

دعونا نُظهِر الإسلام كما هو، لا كما ينسجم مع أهوائنا المعاصرة، فلا ينبغي أن يحتوي ديننا على تناقض في مضامينه; إذ مرة يأمر المرأة بالستر والتزام البيت، وأخرى يرضى بخروجها بل يحبه.

أولسنا نحن من ننقل أن السيدة زينب عليها السلام كانت إذا مشت أمر أبوها إخوتها عليهم السلام أن تطفأ المصابيح حتى لا يُرى ظلها?!

أوليس إمامنا علي (عليه السلام) الذي عاتب من يترك نساءه ينزلن السوق بين الرجال، فقال: "ألم يبلغني عن نسائكم أنهنّ يزاحمن العلوج في الأسواق، ألا تغارون، من لم يغر فلا خير فيه".

أيعقل أن سيدتنا زينب هذه التي تربت على ذلك، تحب مشي النساء في الشوارع العريضة اليوم، على مرأى ومسمع القاصي والداني?!

ثم فوق ذلك كله، نحن شيعة آل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم)، ندعي -وهو الحق- أننا أبناء الدليل; حيث يميل نميل، وبالتالي لا يجوز نسبة عمل لله تعالى وادعاء أنه عمل عبادي من دون دليل، ولا دليل على استحباب مشي النساء بالنحو المذكور مطلقا، بل الدليل قائم على خلاف ذلك.

فلنتق الله في ديننا.

ولقائل أن يقول: ولكن ما الضير في مشيها كذلك والحال أنها بتمام لباسها الشرعي?

والجواب: لا علاقة لما تلبسه المرأة في هذا المشي، وإنما المسألة مرتبطة بنفس سيرها بين الرجال.

دعونا لا نغالط أنفسنا، فإذا كانت سيدة النساء قدوة، فتعالوا نقتدي بسيرتها، فهي لم تنكشف حتى بتمام سترها على الرجال، بل حتى على العميان منهم.

إليكم ما فعلته (سلام الله عليها) حينما دخل ابن أم مكتوم الأعمى دار النبي، حيث سارعت الزهراء إلى لبس حجابها، فسألها أبوها عن سر ذلك، والحال أنه أعمى فلن يراها?! فقالت: إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشم ريح النساء.

تأملوا في قولها: "فأنا أراه"، فهو يعني أن عفتها ذاتية وجد الرجل أم لا.

وتأملوا في قولها: "وهو يشم ريح النساء"، فهو يعني أنها تريد دفع حتى تخيله لها في ذهنه من خلال شم ريحها (فداها نفسي وأبي وأمي).

ثم تعالوا الى واقعة كربلاء، فإنا نرى السيدة زينب لم تخرج رغم أنها منقبة بين أصحاب الحسين (عليه السلام) الذين هم أنزه من أن يشك بنظرتهم، ورغم ذلك كانت تسلِّم على الخواص منهم من وراء الستار، فيتعجبون من ذلك قائلين: من أنا وابنة أمير المؤمنين تسلم علي?!

لماذا?! ما ذلك إلا لأنهم لم يعتادوا أن يروها، ولم يعتادوا أن تسلم عليهم حتى من وراء الحجاب.

ولماذا كانت زينب كذلك? لأنها ربيبة القرآن الكريم الذي أمر فقال: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ...) [سورة اﻷحزاب : 53].

ويبقى أن ندفع وهم من توهم أنه بالإمكان قياس وقوف السيدة فاطمة خاطبة في المسلمين، وكذا وقوف ابنتها زينب (سلام الله عليهما) في قصر ابن زياد، على مشي النساء اليوم بغاية إحياء ذكرى عظيمة.

فنقول: إن هاتين الحادثتين يعبَّر عنهما في الفقه ب(قضية في واقعة)، فلا يقاس عليهما; لأن ظروفها خاصة، وقد نجهل بعض تفاصيلها التي جعلت مِلاك خروجهما محبوبا. وهذا ما يفهمه أهل الفقه جيدا.

ثم أين تلك الضرورة في خروج النساء?! أولا يكفي مسير الرجال مثلا، فضلا عن المجالس والأشعار والمؤلفات والخطابات التي تعج بها الدنيا بها?! حتى لا يبقى لنا سوى تمشية أعراضنا كيلو مترات وكيلو مترات?!

ثم ألا يُلتفت إلى أن خروجهما (عليهما السلام) كان اضطراريا، فلا يقاس عليه الخروج الاختياري?!

وفي الختام دعونا نحدد المراد من مواساة أهل البيت أو التأسي بهم، فنقول: إن المواساة تعني الاستماع الى سيرتهم والاستفادة منها وتحويلها من كلمة إلى فكرة ومن فكرة إلى شعور ومن شعور إلى اعتقاد، ومن اعتقاد إلى فعل وحركة تتلاءم مع أحكام هذا الدين الذي بذل له آل محمد ما بذلوا.

وليست المواساة أن نضع أنفسنا في مواضع لا يحبونها (سلام الله عليهم)، يعني ليست المواساة أن نقلد ما جرى معهم كيفما كان، وإلا لو كان الأمر كذلك، فقد ورد أن شمرا (عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) قد ضرب سيدتنا زينب على متنها، فهل المواساة هنا تعني أن تُعَرِّّّض النساء متونها لضرب الرجال لأن ذلك حصل مع الحوراء?!

هنا بيت القصيد، فإن التأسي بهم (عليهم السلام) عبارة عن فعل ما فعلوه حبا وتقربا، لا مطلق ما فعلوه أو حصل معهم وإن كانوا مجبرين عليه أو مضطرين إليه وكان أذية لهم ومغضبة لربنا وربهم.

فتأملوا رحمكم الله.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 المناجاة الحادية عشرة: مناجاة المفتقرين

 السعي في تزويج المؤمنين

 صلاة الآيات

 المهر في الزواج الدائم والمؤقت وحال الاعتداء

 المناجاة السابعة: مناجاة المطيعين لله

 للولد والعقيقة والاختتان

 زيارة الإمام محمد بن علي الجواد التقي (عليهما السلام) يوم الأربعاء

 التحريم بالسبب والرضاع وإثبات النسب

 التأمين

 إمامة الأئمّة الأحد عشَر بعد عليّ (عليه السلام)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net