﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 خيارات الحسين  

القسم : محاضرات عاشورائية   ||   التاريخ : 2011 / 01 / 28   ||   القرّاء : 5787

       من هو الحسين بن علي؟ لن تفلح الكلمات، ولن تظفر الحركات ولا السكنات في بيان هوية هذا الإمام الشهيد؛ ذلك أن من جُبل بأنوار الملكوت، وعُجن بفيوضات الجبروت، تتكسر عنده كل التصورات الذهنية، وتتحطم على صخرته كل الألفاظ الألسنية. ولكن دعونا نعرِّج على أذيال سيرة هذا السبط الصدّيق، سيرته المترامية أمام أفهامنا القاصرة، وعقولنا الواهمة، نطوف حول غاياته في قيامه الثوري، ونسعى بين صفا آلامه، ومروةِ انتصاراته، ونرجم الأباطيل التي حيكت حول نهضته؛ حيث أرادوا أن يخمدوها ويشوهوها، >وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ< التوبة 32.

       إذا تأملنا في التاريخ، وجدنا أن الناس بطبعهم يتفاعلون مع من يقدم لهم الخدمات، فيحترمونهم، ويقدسونهم، وينحتون لهم التماثيل. فإذا كانت المجتمعات مدينة للطبيب بطبه، وللعالم بعلمه واكتشافته، وللفيلسوف بحكمته، فالكل مدين للشهيد بشهادته، لأنه يقدم لهم الحرية، وهي هواء الرئتين الذي لا معنى للحياة بدونه. فما الشهداء إلا السراج الذي يبعث النور في عتمة الظلم والجهل والانكسار.

       ومرة أخرى تحيط الظلمة بأمتنا، فتحتاج إلى من يشق ديجورها ويمزق غياهبها، وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، يجيء الحسين الذي مرّت عليه مآس عديدة لا يتحملها إلا ذو قلب جُلمود لا تهزه الأرزاء ولا الخطوب، من استشهاد أمه الزهراء (عليها السلام)، إلى استشهاد أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلى استشهاد أخيه الحسن (عليه السلام)، إلى سنة معاوية بسب أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر، يجيء الحسين (عليه السلام) بعد أن تسنم حفيد آكلة الأكباد، وابن أصحاب أصحاب الجنايات، فانحنت له الرقاب، وخضعت له الأصوات، فلا تسمه إلا صوتا.

       هذا الصوت المناوئ للظلم، لم يعجب شارب الخمور، وضارب الدفوف، وملاعب القرود، فكتب إلى الوليد واليه على المدينة: "أما بعد، خذ حسينا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذًا شديدا ليست فيه رخصةٌ حتى يبايعوا، فمن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه".

       فجاء الوليد إلى الحسين (عليه السلام) في غلس الليل -آخره-، فأعلمه بهلاك معاوية، ثم طلب منه البيعة ليزيد. وهنا كان الحسين (عليه السلام) بين ثلاثة خيارات:

       1- المبايعة، كما اقترح عليه بعض الأمويين كمروان بن الحكم، وقد أجاب (عليه السلام) على ذلك بقوله: "يأبى الله لنا ذلك، ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام".

       2- رفض البيعة والابتعاد عن الساحة، وطلب العزلة، كما اقترح عليه بعض المحبين، كأخيه محمد بن الحنفية، وعبد الله بن عباس، ولكن الإمام ما كان ليقبل بذلك بعدما استفحل الظلم، وأعلن الفسق، وظهر الباطل، فأجاب (عليه السلام): "أيها الناس، إن رسول الله قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحُرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء -يعني بني أمية- قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري، وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني، ولا تخذلوني، فإن أتممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله...".

       وبناء على هذا الموقف النبوي، قال (عليه السلام) للوليد: "أيها الأمير، إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس، معلن الفسق، فمثلي لا يبايع مثله".

       3- المواجهة والصمود حتى الاستشهاد، وهو خيار الله؛ حيث قال (عليه السلام): "شاء الله أن يراني قتيلا، وشاء الله أن يراهن سبايا". هذا ما اختاره الإمام، وما كان ليحيد عنه كما قال: "لا والله، لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض".

       هذا هو الحسين بن علي (عليهما السلام)، أبيِّ الضيم الذي لا يعطي بيده إعطاء الذليل، ولا يقر إقرار العبيد، وهو القائل: "سأمضي، وما بالموت عار على الفتى، إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما". وهو أبو الصارخ بوجه الطاغية ابنِ زياد: "أبالقتل تهددني يابن الطلقاء؟! أما علمت أن القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة؟!"، وهو أخ البطلة التي واجهت الجائر في وجهه قائلة: "إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك"، وهو ابن عليّ الذي يواجه العالم لإحقاق الحق حيث قال: "والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليه". هذا هو الحسين ابن الخلطة النورانية، ابن جبلة الشهامة والكرامة، الذي حرِّمت عليه الدنيا، فليس له أن يطلبها، ألم نسمع أن عليا قد طلقها ثلاثا؟ وأنى لمطلقات الآباء أن تحل على الأبناء؟

       وبهذا بيّن الحسين انه خرج بناء على إرشادات الرسول، الذي أمر بالخروج على السلطان الجائر، وليس خروجه بدعة ابتدعها، ليقول الجاهلون: "خرج الحسين عن حده فقتل بسيف جده"، ألم يسمع هؤلاء قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله"؟!

       خرج الحسين آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر، ليحيي سنة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعدما خشي إن لم ينصر الإسلام وأهله، أن يرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة عليه أعظم، فنهض في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه.

       فلنتعلم أيها المؤمنون من الحسين كيف يطاع الرب، لنستعد للقاء حتوفنا حين تكالب الأعداء، لنحيا أحرارا، ونموت أحرارا.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

البحوث الفقهية

البحوث العقائدية

البحوث الأخلاقية

حوارات عقائدية

سؤال واستخارة

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 كَبُرْتُ اليوم

 الاستدلال بآية الوضوء على وجوب مسح الرجلين

 العدالة

 السعادة

 قوى النفس

 البدن والنفس

 تلذُّذ النفس وتألمها

 العبادة البدنية والنفسية

 العلاقة بين الأخلاق والمعرفة

 المَلَكَة

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 زينة النساء والتشبه بهن

 الوطن الاتخاذي

 نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)

 التوّاب المنتقم

 العمل

 الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام)

 شوال

 الإدغام

 بين هجرة النبي وهجرة الحسين

 الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net